تتجاوز الحرب الدامية المستمرة في السودان منذ أبريل2023 كل الخطوط الحمراء والشرائع الإنسانية والدولية، لتتخذ منحى بالغ الخطورة والدموية مع توجيه اتهامات رسمية وموثقة للجيش السوداني بقيادة عبدالفتاح البرهان باستخدام الأسلحة الكيميائية وغاز الكلور ضد المدنيين العزل.
حيث دخلت حزمة عقوبات أمريكية جديدة وصارمة حيز التنفيذ يوم الإثنين الماضي، مستهدفة تقييد قدرة الجيش السوداني على الحصول على التمويلات والصادرات، وحظر شركات الطيران المملوكة له من استخدام المجال الجوي الأمريكي.
وتأتي هذه العقوبات تأكيدًا لخلاصات الاستخبارات الدولية التي أثبتت تورط الحكومة السودانية في انتهاك صارخ لمعاهدة حظر الأسلحة الكيميائية لعام 1999، عبر قصف المناطق المدنية ببراميل متفجرة محملة بغاز الكلور السام.
كواليس الهجمات الكيميائية
وتُظهر المعطيات والتحقيقات الاستقصائية الموثقة التي نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية ووسائل إعلام فرنسية بارزة أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية في مناسبتين على الأقل خلال عام 2024.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى أن استخدام غاز الكلور -الذي يتسبب في آلام شديدة في الجهاز التنفسي والوفاة اختناقًا تم بموافقة مباشرة وتوجيه شخصي من قائد الجيش عبدالفتاح البرهان.
وفي السياق ذاته، كشف تحقيق استقصائي اعتمد على بيانات مفتوحة المصدر ولقطات مصورة وآراء خمسة خبراء دوليين أن طائرات حربية للجيش ألقت في سبتمبر 2024 برميلين متفجرين محمّلين بغاز الكلور بالقرب من مصفاة الجيلي النفطية شمال العاصمة الخرطوم، والتي كانت تسيطر عليها قوات الدعم السريع آنذاك. ولم يقتصر الأمر على الخرطوم فحسب، بل امتد ليشمل مناطق واسعة في إقليمي دارفور وجنوب كردفان، مما أسفر عن تداعيات كارثية طالت السكان المدنيين والبيئة ومصادر المياه والحيوانات في المناطق المتضررة.
رصد حالات اختناق ومطالبات بتحقيق دولي مستقل
وعلى الصعيد الميداني والسياسي، كشفت مصادر أن التحالف يمتلك أدلة وشواهد ملموسة وبالغة الخطورة تثبت تورط الجيش السوداني في استخدام الأسلحة الكيميائية في مناطق عدة بالبلاد، من بينها أجزاء من الخرطوم ودارفور وكردفان.
وأوضحت المصادر أن جهات دولية أجرت بدورها عمليات تقصٍ وتحقيق ميداني قبل الوصول إلى استنتاجاتها بشأن هذه الانتهاكات الجسيمة، مشدداً على أن محاولات الجيش نفي الاتهامات أو الاكتفاء بتشكيل لجان تحقيق داخلية مشبوهة لا تعدو ككونها محاولات طمس للحقيقة، وأن القضية تتطلب حتمًا تحقيقًا دوليًا مستقلًا تحت إشراف المنظمات الأممية المختصة.
ومن جهته، كشف وزير الإعلام في حكومة «تأسيس» عن أن الجهات المختصة تحقق حاليًا في قصف بلدة «أم قرفة» في ولاية شمال كردفان بالمواد الكيميائية قبل أيام، حيث سُجلت حالات اختناق جماعي، وطفح جلدي، وأعراض صحية غير اعتيادية على سكان المناطق المُرجح تعرضها للقصف الكيميائي.
تفاصيل العقوبات الأمريكية الصارمة
وفي رد فعل دولي حاسم على هذه الجرائم، دخلت حزمة العقوبات الأمريكية الثانية حيز التنفيذ يوم الإثنين، استكمالاً للحزمة الأولى التي فرضت في يونيو وحظرت تمويل السودان أو التصدير إليه. وتفرض العقوبات الجديدة قيوداً مشددة تقوض قدرة الجيش السوداني على الحصول على التمويل الخارجي، وتحظر على شركات الطيران السودانية استخدام المجال الجوي للولايات المتحدة.
وفي المقابل، حرصت واشنطن على استثناء المساعدات الإنسانية الطارئة من نطاق العقوبات؛ نظرًا لأن السودان يشهد أسوأ أزمة إنسانية في العالم وفقًا لتقارير الأمم المتحدة، حيث يواجه نحو 25 مليون شخص خطر انعدام الأمن الغذائي الحاد والمجاعة.
واشنطن تفشل في إنهاء حرب السودان رغم دعمها الإنساني وجهود الهدنة
يُذكر أن الولايات المتحدة كانت قد ساهمت بشكل رئيسي في دعم الاستجابة الإنسانية عبر تقديم نحو 44.4 بالمئة من تمويل خطة الأمم المتحدة لعام 2024، في حين فشلت كافة المساعي الدبلوماسية التي قادتها واشنطن بالتعاون مع السعودية لإرساء هدنة مستدامة وجمع أطراف الصراع على طاولة المفاوضات.
وعلى الصعيد الحقوقي والدولي، توثق التقارير الصادرة عن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وبعثات تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة لعامي 2025 و2026 السجل الأسود للانتهاكات الجسيمة للجيش السوداني.
وتشير الإحصاءات الموثقة الصادرة عن العاملين في المجال الإنساني إلى أن الحرب أسفرت عن مقتل أكثر من 200 ألف شخص، وتشريد ونزوح ملايين المدنيين داخل وخارج البلاد، وسط ارتكاب جرائم حرب للجيش السوداني لا حصر لها ضد الأبرياء.
وتؤكد الدوائر القانونية والدولية أن استخدام أسلحة محرمة دوليًا مثل غاز الكلور يمثل تصعيدًا خطيراً يرقى إلى مصاف جرائم ضد الإنسانية، مما يستوجب ملاحقة المسؤولين عنها أمام المحاكم الجنائية الدولية وعدم السماح بإفلات المجرمين من العقاب، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لا غنى عنه لأي تسوية سياسية مستقبلية تكفل إعادة الأمن والاستقرار إلى ربوع السودان.

