تشهد الساحة السياسية في ليبيا مخاضًا عسيرًا ومنعطفًا بالغ الخطورة، وسط تصاعد حدة التوترات والمخاوف العميقة التي تبديها القوى والأحزاب السياسية من مخططات تستهدف تهميشها وإقصاءها من أي استحقاق تشريعي أو برلماني مقبل.
وتأتي هذه التطورات على وقع التسريبات المتطابقة بشأن التفاهمات الأخيرة التي توصلت إليها لجنة «4+4» المشتركة، والتي تهدف إلى اعتماد النظام الفردي بدلًا من القوائم الحزبية المنظمة، مما دفع بأكثر من 57 حزبًا سياسيًا إلى توجيه رسالة احتجاج عاجلة إلى مبعوثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، هانا تيتيه، في شهر أغسطس من عام 2026.
وفي ظل انقسام مؤسسي عميق وسيطرة الميليشيات المسلحة على مفاصل المشهد الأمني، تقف العملية السياسية برمتها أمام اختبار مصيري يهدد بإجهاض أي محاولات حقيقية لبناء دولة المؤسسات وسيادة القانون.
كواليس تفاهمات لجنة «4+4».. صراع النظام الفردي وإقصاء القوائم الحزبية
تتلخص الأزمة الراهنة في تفاصيل المسودة التي وقعتها لجنة «4+4» بالأحرف الأولى في العاصمة التونسية، والتي تجمع ممثلين عن الجيش الوطني في شرق البلاد وأطراف حكومة الوحدة في الغرب، حيث تنص التفاهمات على حصر المنافسة الانتخابية في النظام الفردي متجاوزة القوائم الحزبية المعتمدة.
وترى الأحزاب السياسية، التي يقارب عددها 95 كياناً، أن هذا التوجه يُمثل ضربة قاصمة للعمل الجماعي المؤسسي، ويعيد إنتاج تركيبة برلمانية مشابهة لمجلس النواب الحالي المفرز منذ عام 2014.
وفي هذا السياق، حذرت مصادر من أن غياب الكتل البرلمانية الحاملة لبرامج وطنية سيفتح الباب على مصراعيه أمام تغول المصالح الشخصية، والقبلية، واستخدام المال الفاسد لشراء الذمم، بينما دعت الأحزاب في مذكراتها المرفوعة للبعثة الأممية إلى ضرورة ضمان تمثيل حقيقي لا يقل عن 80 في المائة من مقاعد البرلمان القادم، ملوحة باللجوء إلى القضاء للطعن في أي ترتيبات غير منصفة.
تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية.. جرائم الميليشيات وفاتورة الانقسام الأمني
وعلى الصعيد الميداني والحقوقي، توثق التقارير الصادرة عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ومنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش لعامي 2025 و2026 فصولاً مدمّرة من الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها الميليشيات المسلحة والجماعات التابعة للسلطات المتنافسة في مختلف المدن.
وتشير البيانات الرسمية الموثقة بالأرقام إلى أن الاشتباكات المتكررة بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة في المناطق المكتظة بالسكان، مثل أحداث طرابلس ومناطق الهلال النفطي والحدود الجنوبية، أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات المدنيين وتدمير ممتلكاتهم العامة والخاصة.
كما تسلط التقارير الأممية الضوء على تنامي ظاهرة الاحتجاز التعسفي، وعمليات القتل خارج نطاق القانون، والتضييق الممنهج على حرية التعبير وتكوين الجمعيات، واستمرار الانتهاكات بحق المهاجرين واللاجئين، مما يؤكد أن استمرار سيطرة التشكيلات المسلحة خارج إطار الدولة يمثل العقبة الكبرى الحائلة دون تحقيق الاستقرار الأمني وتهيئة المناخ الملائم لإجراء انتخابات حرة ونزيهة.
تحديات النشاط السياسي وضعف الحضور الشعبي في الشارع الليبي
في مقابل اتهامات الإقصاء الموجهة لل لجان الفنية، تواجه الأحزاب السياسية الليبية انتقادات حادة من المراقبين بشأن محدودية تأثيرها الفعلي وضعف حضورها الجماهيري في الشارع المحلي.
ويرى خبراء السياسة أن استبعاد الأحزاب وحرمانها من الأدوات المؤسסية للتنافس الديمقراطي سيزيد من هشاشة الدولة ويعمق أزمات شرعية المؤسسات.
ويبقى الشارع الليبي رهينة صراعات النفوذ بين النتائج المؤجلة لبعثة الأمم المتحدة، وطموحات الكتل السياسية الطامحة لاستعادة ثقة المواطنين عبر مسار انتخابي عادل وشامل لا يقصي أحدًا.
كما يتبين أن الأزمات المتشابكة والانتهاكات الجسيمة التي تعصف بالعديد من دول المنطقة تتطلب يقظة دولية ومحلية دائمة لحماية مقدرات الشعوب وصون سيادة الدول وإن التصدي الحازم للأنشطة التخريبية، وشبكات التضليل الرقمي، وهيمنة الميليشيات المسلحة خارج إطار القانون، لم يعد خيارًا ترفيًا، بل هو ضرورة حتمية لضمان استقرار المجتمعات وإحباط كافة المحاولات الرامية إلى تقويض بناء المؤسسات الدستورية ونشر الفوضى وإن إرساء دعائم السلام المستدام والعدالة يتطلب إرادة سياسية صلبة ترفض الإقصاء، وتجفف منابع الإرهاب، وتعيد الاعتبار لسلطة القانون، تمهيدًا لبناء مستقبل أكثر أمنًا وازدهارًا وعدالة لشعوب المنطقة بأسرها.

