ذات صلة

جمع

قائمة طرابزون سبور بالدوري الأوروبي.. محمد صلاح يتصدر التشكيل أمام فيرينكفاروسي

يستعد نادي طرابزون سبور التركي لخوض مواجهة حاسمة أمام...

آثار هيمنة الميليشيات.. كيف تعطل الفوضى الأمنية شبكات الإمداد الاقتصادي في ليبيا؟

تتجدد المعاناة اليومية للمواطنين في العاصمة الليبية طرابلس على...

جرائم وانتهاكات وحرب مستمرة.. لماذا تفقد مبادرة البرهان ثقة القوى المدنية السودانية؟

لم تستطع دعوة قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان إلى إطلاق حوار وطني شامل أن تفتح الطريق أمام تسوية سياسية، بل دفعت إلى مزيد من الجدل حول مستقبل السلطة في السودان، وحدود الدور الذي يجب أن تلعبه المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية بعد سنوات من الأزمات والانقلابات والحرب.

فبدلاً من أن تتحول المبادرة إلى نقطة تجمع للقوى السودانية، جاءت اجتماعات أديس أبابا لتكشف اتساع فجوة الثقة بين قيادة الجيش وقطاع واسع من القوى السياسية والمدنية المناهضة للحرب، التي رفضت التعامل مع الحوار المقترح باعتباره مدخلاً مستقلاً لإنهاء الأزمة.

وأعلنت قوى سودانية شاركت في المشاورات التي عقدت بالعاصمة الإثيوبية رفضها لدعوة البرهان، معتبرة أن أي حوار يجري بينما تستمر الحرب وتظل المؤسسة العسكرية طرفًا أساسيًا فيها لا يمكن أن يوفر الشروط المطلوبة لحوار وطني مستقل.

المفارقة الأساسية في المشهد السوداني، أن الدعوة إلى الحوار جاءت في وقت ما تزال فيه البلاد تعيش تداعيات الحرب وجرائم البرهان والجيش السوداني ضد المدنيين، الأمر الذي جعل القوى المناهضة لها تتعامل مع المبادرة باعتبارها خطوة سياسية تحتاج أولاً إلى إجابات واضحة حول طبيعة الجهة التي ستدير الحوار، وضمانات استقلاله، وما إذا كان سيقود بالفعل إلى انتقال مدني أم سيعيد إنتاج موازين القوة التي فرضتها الحرب.

وكان البرهان قد أعلن خلال أغسطس عن دعمه لحوار سوداني شامل، مع تقديم ضمانات للمشاركين، في محاولة لفتح مسار سياسي داخلي، لكن المشكلة، وفق القوى الرافضة، لا تكمن فقط في عنوان الحوار، وإنما في البيئة التي يُطرح فيها، فكيف يمكن الحديث عن حوار وطني شامل بينما صوت السلاح ما يزال حاضرًا؟، وكيف يمكن للقوى المدنية أن تدخل عملية سياسية يكون أحد أطراف الحرب هو صاحب النفوذ الأكبر في تحديد إطارها؟، هذه الأسئلة كانت حاضرة بقوة في مشاورات أديس أبابا، وانتهت القوى المناهضة للحرب إلى طرح مسار مختلف يقوم على وقف القتال والمسار الإنساني ثم عملية سياسية مستقلة.

الجيش في قلب الأزمة السياسية

لا تتوقف الانتقادات الموجهة إلى البرهان عند مبادرة الحوار نفسها، وإنما تمتد إلى الدور السياسي الذي لعبته المؤسسة العسكرية في السودان خلال السنوات الماضية، فالقوى المدنية التي ترفض مبادرة البرهان ترى أن الأزمة السودانية لا يمكن علاجها بإعادة تدوير الصيغة التي تجعل الجيش لاعبًا عسكريًا وسياسيًا في الوقت نفسه.

وبحسب هذا الطرح، فإن إنهاء الحرب لا يعني فقط وقف إطلاق النار، وإنما يحتاج إلى إعادة تعريف العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية، بحيث تصبح إدارة الدولة مسؤولية مؤسسات مدنية منتخبة، بينما يترك للجيش دوره الدستوري والأمني بعيدًا عن التنافس على السلطة، ومن هنا يصبح الصراع حول الحوار في جوهره صراعاً على شكل السودان المقبل، وليس مجرد خلاف على موعد أو مكان انعقاد مؤتمر سياسي.

هل يريد البرهان حوارًا أم إعادة ترتيب المشهد؟

السؤال الأصعب الذي تطرحه القوى المعارضة للمبادرة يتعلق بالهدف النهائي من الحوار فالحوار الوطني الحقيقي يفترض وجود مسافة واضحة بين الدولة وأطراف الصراع، بينما يرى المعارضون أن استمرار قيادة الجيش في إدارة المسار السياسي والعسكري يجعل تلك المسافة غير واضحة، ولهذا رفضت القوى المناهضة للحرب المشاركة في مسار ترى أنه قد ينتهي إلى منح شرعية سياسية للأمر الواقع بدلاً من تغييره.

وتذهب بعض التحليلات المنشورة حديثًا إلى أن مبادرة الجيش تواجه بالفعل صعوبات في جذب قوى مدنية واسعة إلى طاولة الحوار، وهو ما يعكس أزمة ثقة تتجاوز تفاصيل المبادرة نفسها.

أديس أبابا تفتح جبهة سياسية جديدة

في المقابل، جاءت اجتماعات أديس أبابا لتشكل محاولة من القوى المناهضة للحرب لإعادة بناء جبهة مدنية أوسع، بعيدًا عن المسار الذي تقوده قيادة الجيش، وشارك في المشاورات عدد من القوى السياسية والمدنية، إلى جانب منظمات مجتمع مدني وشبكات نسائية وشبابية وشخصيات عامة وأكاديميين ومثقفين، وتكمن أهمية هذا التجمع في أنه لا يكتفي برفض مبادرة البرهان، وإنما يحاول تقديم بديل سياسي يقوم على توسيع قاعدة المشاركة المدنية.

وهذا يعني أن المعركة المقبلة في السودان قد لا تكون عسكرية فقط، وإنما سياسية أيضًا، بين مسار يريد أن تكون المؤسسة العسكرية لاعبًا مركزيًا في تحديد المستقبل، ومسار مدني يريد نقل مركز القرار إلى مؤسسات سياسية مدنية.

ثلاث خطوات قبل أي تسوية سياسية

طرحت القوى المناهضة للحرب تصورًا يقوم على ثلاثة مسارات متزامنة: المسار الإنساني، ووقف إطلاق النار، ثم المسار السياسي، ويبدو هذا الترتيب بمثابة رسالة مباشرة إلى قيادة الجيش مفادها أن الأولوية ليست لعقد مؤتمر سياسي جديد، وإنما لإنهاء الظروف التي تمنع أي حوار من أن يكون حرًا ومستقلاً، فالمسار الإنساني يستهدف تخفيف معاناة المدنيين، بينما يركز مسار وقف إطلاق النار على إنهاء العمليات العسكرية، قبل الانتقال إلى مفاوضات سياسية تعالج جذور الأزمة، وهذه الرؤية تختلف جذريًا عن أي حوار يبدأ من أعلى، أو يجري تحت مظلة طرف عسكري مشارك في الحرب.

إبعاد الإخوان.. ضربة للمنظومة القديمة

ومن أكثر الملفات حساسية في الوثيقة التي خرجت من مشاورات أديس أبابا الدعوة إلى استبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية من عملية السلام والمرحلة الانتقالية، وتحمل هذه النقطة أهمية خاصة لأنها تعني أن القوى المدنية المناهضة للحرب تريد أن يكون السودان الجديد مختلفاً عن منظومة الحكم التي سبقت سقوط عمر البشير، وبذلك تتجاوز المواجهة الحالية قضية البرهان وحده، لتصل إلى سؤال أكبر يتعلق بمن يملك الحق في صياغة الدولة السودانية بعد الحرب، فالقوى المدنية تقول بوضوح إن المرحلة المقبلة يجب ألا تتحول إلى إعادة إنتاج للنخب العسكرية أو التنظيمات السياسية المرتبطة بالنظام السابق، وإنما يجب أن تقوم على دولة مدنية ديمقراطية.

السودان لا يحتاج إلى حوار يطيل عمر الأزمة

بعد سنوات من الحرب والانقسام، يحتاج السودان إلى عملية سياسية تضع حداً للصراع، لا إلى مسار جديد يعيد توزيع الأدوار بين أطراف الأزمة، ولهذا فإن جوهر المعركة الحالية يتمثل في سؤال واحد هل يكون الحوار وسيلة للخروج من الحكم العسكري والصراع المسلح، أم يتحول إلى غطاء سياسي لاستمرار النفوذ العسكري؟

القوى المناهضة للحرب اختارت في أديس أبابا الإجابة الأولى، ورفضت الدخول في حوار ترى أنه يجري في ظل استمرار الحرب، أما البرهان، فيواجه الآن اختبارًا سياسيًا صعبًا؛ فنجاح أي مبادرة لا يقاس بإعلانها، وإنما بقدرتها على جمع خصومها، وإقناع القوى المدنية باستقلالها، وتحويلها إلى طريق حقيقي نحو السلام.

وبينما تتسع الجبهة الرافضة للحرب، تبدو معركة السودان المقبلة مرتبطة بقدرة المدنيين على فرض مسار سياسي مستقل، وبقدرة قيادة الجيش على إثبات أن دعوتها للحوار ليست محاولة لإعادة إنتاج السلطة العسكرية في ثوب سياسي جديد وإن السودان لن يخرج من أزمته بمجرد تغيير أسماء المؤتمرات أو إطلاق مبادرات جديدة، بل يحتاج إلى معالجة أصل الأزمة: وقف الحرب، حماية المدنيين، إنهاء احتكار السلاح للقرار السياسي، وبناء دولة مدنية تكون فيها المؤسسة العسكرية جزءاً من الدولة وليست بديلاً عنها.

وتواجه قيادة الجيش السوداني برئاسة عبدالفتاح البرهان انتقادات دولية متزايدة بشأن الانتهاكات المرتكبة خلال الحرب، وخلصت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إلى أن القوات المسلحة السودانية ارتكبت انتهاكات للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، شملت هجمات على المدنيين وأهدافًا مدنية، بينما أكدت تقارير أممية أن أطراف الحرب، بما فيها الجيش، ارتكبت انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب كما حذرت الأمم المتحدة من استمرار الانتهاكات الخطيرة ومن ضرورة محاسبة المسؤولين عنها، وبذلك تضع هذه التقارير قيادة البرهان أمام مطالب متصاعدة بالتحقيق والمساءلة، بالتوازي مع الدعوات إلى إنهاء الحرب ووقف الانتهاكات ضد المدنيين.