يعيش السودان اليوم واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في التاريخ الحديث، حيث تحولت المدن الآمنة إلى ساحات قتال مفتوحة، وتصاعدت حدة الانتهاكات ضد المدنيين بشكل يضع القيادة العسكرية برئاسة عبد الفتاح البرهان في مواجهة مباشرة مع التقارير الدولية الحقوقية.
إن الإحصائيات الأممية الأخيرة تكشف عن نزوح أكثر من 8.6 مليون سوداني من منازلهم، وهو رقم مخيف يمثل شاهدًا على التداعيات الكارثية للخيارات العسكرية التي انتهجها الجيش.
حيث أنه لم تعد المعاناة محصورة في ويلات القتال، بل امتدت لتشمل تدميرًا ممنهجًا للبنية التحتية الحيوية، وحرماناً للمدنيين من أبسط مقومات الحياة، مما يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية حول مسؤولية السلطات العسكرية القائمة عن هذه الانتهاكات الجسيمة.
استهداف المرافق الحيوية.. تقارير أممية توثق تعمد تعطيل الحياة المدنية
وتُعد سياسة استهداف البنية التحتية، وعلى رأسها محولات الكهرباء الرئيسية ومحطات ضخ المياه والمرافق الصحية، واحدة من أخطر الاتهامات الموجهة للجيش السوداني في ولايات مثل شمال كردفان ودارفور.
ووفقًا لتقارير المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، تسببت غارات الطائرات المسيرة والقصف المدفعي الذي يشنه الجيش في مدينة الأبيض في انقطاعات طويلة ومستمرة للتيار الكهربائي، مما أدى عمليًا إلى شل حركة ضخ المياه وتعطيل المرافق الصحية، وهو ما يعتبر انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني الذي يحظر استهداف المنشآت التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين.
في ذات السياق، أكدت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، آمي بوب، أن الهجمات المتكررة على البنية التحتية الحيوية قد أرهقت العائلات السودانية إلى أقصى حد، مشددة على أن فقدان إمكانية الوصول إلى المياه والكهرباء والرعاية الصحية ليس صدفة، بل نتيجة لنهج عسكري يضع العمليات القتالية فوق أرواح المدنيين.
إن توقيت هذه الانتهاكات، خاصة في المناطق التي تشهد كثافة سكانية نازحة مثل ولاية شمال كردفان، يعكس تجاهلاً تامًا للتحذيرات الدولية بضرورة حماية المدنيين، مما دفع الهيئات الأممية لإصدار تحذيرات عاجلة من أن الاستمرار في هذا النهج سيؤدي إلى كارثة إنسانية لا يمكن تداركها.
نزوح قسري متصاعد.. أرقام مفزعة لضحايا السياسة العسكرية
ولا تقتصر المأساة على الدمار المادي فحسب، بل تمتد لتشمل حركة نزوح قسرية لا تتوقف. ففي ولاية شمال كردفان، ارتفعت نسبة النزوح بنحو 25% في محلية شيكان خلال الأشهر الثمانية الماضية، مع نزوح أكثر من 200 ألف شخص في منطقة كردفان الكبرى منذ أواخر عام 2025.
هذه الأرقام، التي توثقها المنظمة الدولية للهجرة، تعكس الفشل الذريع للجيش السوداني في تأمين مناطق سيطرته، فضلاً عن كونها نتاجًا مباشرًا لاستمرار العمليات العسكرية التي لا تميز بين هدف عسكري ومدني.
وفي إقليم دارفور، الذي يعاني أصلاً من ويلات الحروب السابقة، أدت الأمطار الغزيرة التي تزامنت مع تصاعد الهجمات العسكرية إلى تدمير أو إلحاق أضرار بنحو 1350 مأوى في مخيمات الطويلة المترامية الأطراف في الأسبوع الماضي وحده.
وفي الوقت نفسه، نزح ما يقرب من 18 ألف شخص في غرب دارفور خلال النصف الأول من شهر أغسطس/آب، بينما أجبرت الفيضانات والاشتباكات عشرات العائلات في بلدتي كبكابية وشنجيل طوبايا على اللجوء إلى ملاجئ مؤفتة في ظروف لا إنسانية.
إن هذه الوقائع الموثقة بتواريخ وأرقام دقيقة تثبت أن استراتيجية البرهان العسكرية قد حولت السودان إلى ساحة لانتهاكات حقوق الإنسان المنهجية، حيث يُترك المدنيون لمواجهة مصيرهم بين نيران القصف وبين قسوة الطبيعة التي زادت من معاناة النازحين.
المسؤولية القانونية والمطالبات الدولية.. هل من محاسبة؟
وتطالب العديد من المنظمات الحقوقية الدولية، استنادًا إلى تقارير موثقة، بضرورة فتح تحقيقات مستقلة في الانتهاكات التي يرتكبها الجيش السوداني ضد المدنيين.
إن استخدام الطائرات المسيرة في مناطق تجمعات المدنيين والمدن المكتظة، كما يحدث في الأبيض وغيرها، يضع القيادة العسكرية أمام طائلة القانون الدولي، حيث تصنف هذه الأفعال في كثير من الأحيان كجرائم حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وبينما تقدم المنظمة الدولية للهجرة إمدادات إنسانية طارئة -حيث قدمت خلال الـ 72 ساعة الماضية نحو 1750 طنًا متريًا من الإمدادات استفاد منها أكثر من 110 ألف شخص، إلا أن هذه الجهود تظل مجرد “مسكنات” في ظل استمرار الحرب.
وتؤكد التقارير الأممية، أن استعادة الخدمات الأساسية، مثل المياه والكهرباء والاتصالات، مرهونة بوقف فوري للعمليات العسكرية التي تستهدف البنية التحتية، وهو ما يرفضه الطرف العسكري حاليًا.
إن استمرار تجاهل النداءات الدولية لا يعكس فقط ضعفًا في إدارة الأزمة، بل يشير إلى إصرار على نهج الحل العسكري على حساب حياة ملايين السودانيين، وهو نهج لا يخدم سوى استطالة أمد المعاناة الإنسانية.
انهيار الخدمات الأساسية.. السودان على حافة الهاوية
إن انهيار الرعاية الصحية والاتصالات في مناطق النزاع بالسودان ليس عرضًا جانبيًا للحرب، بل هو جزء من التبعات المباشرة لاستراتيجية “الأرض المحروقة” التي يعتمدها الجيش السوداني، ومع تعطيل أكثر من 70% من المرافق الصحية في المناطق المتأثرة بالنزاع، أصبح السودانيون يواجهون مخاطر الأوبئة وسوء التغذية إلى جانب خطر القصف.
إن تحذيرات الأمم المتحدة الصريحة بشأن التأخيرات في سلاسل الإمداد العالمية تضع الجيش السوداني أمام مسؤولية تاريخية عن كل يوم تأخير في وصول المساعدات، حيث إن المناطق المحاصرة عسكريًا تصبح معزولة تمامًا عن العالم الخارجي، مما يجعل من الموت جوعًا أو مرضًا احتمالية قائمة تزداد مع كل يوم استمرار للعمليات العسكرية التي يصر عليها البرهان ومساعدوه.
وقالت مصادر: إن المشهد في السودان اليوم يحتاج إلى وقفة دولية جادة، لا تكتفي بتقديم المساعدات الإنسانية فقط، بل تفرض مسارات واضحة لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإن الشعب السوداني الذي يحلم بوطن آمن، يجد نفسه ضحية لصراع عبثي قادته قيادات عسكرية فشلت في حماية سيادة البلاد وأمن مواطنيها، وحولت الموارد التي كان يجب توجيهها للبناء والتنمية إلى أدوات للقتل والتدمير والتهجير، وإن التاريخ سيحفظ هذه الوقائع الموثقة بالأرقام والتواريخ كشاهد على فصل مظلم من فصول الأزمة السودانية التي تسببت فيها طموحات التمسك بالسلطة والخيارات العسكرية الخاطئة، والتي تستوجب اليوم تحركًا دوليّا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذا الوطن الجريح.

