في مشهد سياسي وعسكري بالغ التعقيد يمر به السودان، تتسارع وتيرة التطورات الميدانية والتحالفات الاستراتيجية لتكشف عن تصدعات عميقة في جدار التحالفات التي صاغتها ظروف الحرب الدائرة.
فبينما تحاول القيادة العليا للقوات المسلحة السودانية إعادة هندسة المشهد الوطني وفق رؤية ومسار سياسي جديد يقطع الطريق أمام تعدد مراكز القرار، تشهد العلاقة بين رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان وحاكم إقليم دارفور مني مناوي قطيعة غير مسبوقة تذر توترات عصفة بالاستقرار الهش.
ومع تزايد الاستياء العسكري من تواضع الفعالية الميدانية لقوات مناوي على الرغم من حزم الدعم اللوجستي والمادي الهائلة التي تلقتها، يتجه المشهد نحو صدام مفتوح ينبئ بتغيرات جذرية في خارطة السلطة وتقاسم الأدوار، مما يضع مستقبل حركات الكفاح المسلح برمتها على محك الاختبار التاريخي وسط اتهامات متبادلة بالتفريط والتقاعس.
مسار سياسي جديد للجيش: استبعاد حركات الكفاح المسلح وإقصاء مني مناوي من المشهد
في خطوة وصفت بالأكثر جذرية منذ اندلاع الأزمات المتتالية في البلاد، تشير المعطيات السياسية المتطابقة وتقارير المتابعة الميدانية إلى أن قيادة الجيش السوداني قد اعتمدت مساراً سياسياً جديداً لمعالجة الأزمة الوطنية الشاملة، يستبعد بشكل قاطع الحركات المسلحة وفي مقدمتها قوات مني مناوي من أي دور مؤثر في المشهد السياسي المستقبلي.
وتؤكد مصادر مطلعة أن هذا التوجه لم يأتِ من فراغ، بل جاء حصيلة تقييم شامل أجرته الدوائر العسكرية العليا لأداء الحلفاء على الأرض، والذي خلص إلى ضرورة توحيد القرار السيادي والعسكري تحت مظلة المؤسسة العسكرية وحدها، دون خضوع لأية حسابات فصائلية أو جهوية ضيقة، هذا التحول الاستراتيجي يعكس رغبة حقيقية لدى القيادة في تجاوز مرحلة تقاسم السلطة التقليدية التي أثبتت فشلها في إدارة الأزمات، والتوجه نحو صيغة حكم مركزية تعيد لهيبة الدولة سيادتها المطلقة وتغلق الباب أمام المحاصصات التي أرهقت المشهد السياسي السوداني لسنوات طويلة.
أزمة الدعم الميداني والفعالية العتادية: استياء البرهان من تراجع أداء قوات مناوي
وعلى الصعيد الميداني، كشفت تقارير عسكرية رفيعة المستوى عن تصاعد حالة الاستياء الشديد لدى رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان من ضعف الفعالية القتالية لقوات مني مناوي، بالرغم من تلقيها طوال الفترات السابقة دعماً مادياً ولوجستياً معتبراً ومستمراً من قيادة الجيش.
وأوضحت المصادر أن رئاسة الأركان كانت تترایم مردوداً عسكرياً أكبر يوازي حجم الإمكانات التي جرى توفيرها، إلا أن الأداء الميداني لتلك القوات اتسم بالتردد والتراجع في محاور المواجهة الأساسية، مما أثقل كاهل القوات المسلحة وحد من قدرتها على حسم المعارك بالسرعة المطلوبة، هذا التباين في الرؤى والتقييمات خلق فجوة ثقة عميقة بين الجانبين، حيث رأت المؤسسة العسكرية أن استمرار تقديم الدعم دون عائد استراتيجي على الأرض يشكل استنزافاً للموارد المتاحة في وقت تحتاج فيه الجبهات إلى حزم وانضباط قتالي عالٍ لا تقبل القسمة على اثنين.
قرار الانسحاب والتصعيد العسكري: تفاصيل تأزم الخلافات ورفض طموحات مناوي السياسية
لم تقتصر الأزمة على التباين الميداني فحسب، بل تطورت إلى إجراءات تصعيدية تمثلت في إقدام مني مناوي على سحب قواته بشكل مفاجئ من عدة محاور قتالية رئيسية، على خلفية تأزم خلافاته الحادة مع البرهان الذي أبدى رفضًا قاطعًا لأي دور أو منصب سياسي مستقبلي لمناوي ضمن الترتيبات القادمة.
ويأتي هذا الاستبعاد الممنهج على خلفية اتهامات مباشرة وجهتها القيادة العسكرية لمناوي بالتهاون الميداني ورفض الانخراط الجاد في العمليات العسكرية المشتركة في توقيت حرج تحتاج فيه البلاد إلى تضافر كافة الجهود الوطنية.
وتؤكد الشهادات الواردة من كواليس المشهد أن مناوي كان يسعى لفرض مكاسب سياسية وهيكلية مستغلًا الظروف الاستثنائية للبلاد، وهو ما قوبل برفض حاسم من البرهان الذي تمسك بضرورة أن تقتصر الأدوار على المهام العسكرية الميدانية تحت القيادة الموحدة، مما دفع بحاكم دارفور إلى اتخاذ خطوة سحب قواته كوسيلة ضغط سياسية أدت في النهاية إلى حرق مراكب العودة وتكريس القطيعة التامة بين الطرفين.
اتهامات متبادلة بالتفريط وقضية دارفور: مناوي يتهم الجيش بالتنازل عن الثوابت الوطنية
في المقابل، لم يتقبل مني مناوي وحركته قرارات الإقصاء بصمت، حيث أطلق تصريحات نارية واتهامات مباشرة للبرهان والقيادة العامة للجيش بالتنازل عن قضية دارفور وحقوق أهل الإقليم في مسارات الحل السياسي المقترحة لمعالجة الأزمة الوطنية.
واعتبر مناوي أن المسار السياسي الجديد الذي تتبناه الخرطوم يتجاهل المظالم التاريخية لأهل دارفور ويقوض المكاسب التي نُص عليها في اتفاقيات السلام السابقة، محذراً من أن تهميش الحركات المسلحة يمثل قفزًا فوق الواقع ويهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي للبلاد.
وقد قوبلت هذه الاتهامات بردود فعل غاضبة من أنصار الجيش الذين اعتبروا موقف مناوي محاولة يائسة لابتزاز الدولة وتحقيق مكاسب شخصية وفئوية على حساب وحدة السودان وسلامة أراضيه، لتدخل البلاد بذلك في نفق مظلم من الصراع السياسي والإعلامي الذي يهدد بتقويض ما تبقى من فرص للوفاق الوطني الشامل وسط تعقيدات إقليمية ودولية متزايدة.

