تتوسط الخريطة السورية اليوم رقعة شطرنج معقدة تعج بالتناقضات ومراكز القوى المتصارعة، حيث تقف العاصمة دمشق أمام اختبار تاريخي ووجودي غير مسبوق لإعادة بسط سيادتها الوطنية على كامل التراب السوري.
وفي قلب هذا المخاض السياسي المعقد، يبرز ملف شمال وشرق سوريا وما يحمله من تعقيدات هيكلية وأمنية مرتبطة بوجود الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فضلًا عن تنامي سطوة الميليشيات والتشكيلات المسلحة التي تتقاسم النفوذ والثروات بعيدًا عن سلطة القانون.
إن الانتقال الديمقراطي المنشود في سوريا الجديدة لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن إيجاد حل جذري وعادل يوازن بين متطلبات المركز وصيغ الإدارة المحلية، وسط تقارير حقوقية وأممية متطابقة تحذر من استمرار انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور الأوضاع المعيشية لملايين المدنيين.
وبين صقور المركز وواقع الميدان المرير، تبقى تساؤلات الشارع السوري معلقة حول مدى قدرة دمشق على تفكيك هذه العقد المستعصية واستعادة وحدة الدولة واستقرارها المنشود.
انتهاكات الميليشيات وسطوة السلاح في الشمال السوري
تؤكد التقارير والبيانات الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وبعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن سوريا أن المدنيين في مناطق شمال وشرق سوريا يدفعون فاتورة باهظة جراء تفشي الانتهاكات الجسيمة واستمرار هيمنة الميليشيات المسلحة خارج إطار الدولة.
ففي تقرير مفصل أصدرته منظمة العفو الدولية في مطلع عام 2026، تم توثيق المئات من حالات الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، وقمع المظاهرات السلمية التي ترتكبها تشكيلات مسلحة متعددة الولاءات تفرض سيطرتها بالقوة على المدن والبلدات.
وتشير الإحصائيات الواردة في تقارير “هيومن رايتس ووتش” لمنتصف عام 2025 إلى أن ممارسات التجنيد القسري للأطفال، ومصادرة الممتلكات الخاصة، وفرض الإتاوات المالية الباهظة على التجار والسكان المحليين قد بلغت مستويات غير مسبوقة، مما خلق بيئة طاردة ومظلمة تزيد من معاناة مجتمعات أنهكتها سنوات الحرب الطويلة.
ويعكس هذا الواقع الأمني المتردي بوضوح كيف تحولت الميليشيات إلى دولة داخل الدولة، مما يقوض أي مساعٍ حقيقية لبناء مؤسسات أمنية موحدة تكفل حماية المواطنين وتصون كرامتهم الإنسانية دون تمييز.
إشكالية المركز والأقاليم: تفاصيل الصراع على النفوذ بين دمشق والإدارة الذاتية
تشهد كواليس السياسة السورية حراكًا دبلوماسيًا واختبارات نوايا مستمرة بين الحكومة المركزية في دمشق وممثلي الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، في محاولة متعثرة للوصول إلى صيغة توافقية تنظم شكل الدولة المستقبلي.
وترفض دمشق جملةً وتفصيلًا أي مشاريع تقسم أو تنتقص من وحدة السيادة الوطنية، مؤكدة ضرورة دمج جميع المؤسسات المدنية والعسكرية ضمن منظومة الدولة المركزية وفق الدستور والقانون. وفي المقابل، تتمسك قيادة قسد والإدارة الذاتية بضرورة الاعتراف الدستوري بخصوصية المنطقة وخصوصية قواتها العسكرية ضمن هيكل دفاعي مشترك، وهو ما تصطدم به الرؤية الرسمية للسيادة المطلقة.
ووفقًا لتقارير مجموعة الأزمات الدولية الصادرة في أواخر عام 2025، فإن هذا التعنت المتبادل وغياب آليات الثقة المتبادلة يتركان الباب مفتوحًا أمام سيناريوهات التصعيد العسكري أو الجمود السياسي المستدام، مما يعرقل جهود إعادة الإعمار ويحرم الاقتصاد السوري من عائدات النفط والزراعة الاستراتيجية الكبرى الموجودة في تلك المناطق الغنية.
أزمة الثروات واقتصاد الحرب: حقول النفط وسلة الغذاء تحت قبضة التشكيلات المسلحة
لا يمكن فصل الأزمة السياسية في شمال وشرق سوريا عن الأبعاد الاقتصادية الحاكمة لمسار الصراع، نظرًا إلى كون المنطقة تضم أبرز حقول النفط والغاز الاستراتيجية، إضافة إلى الأراضي الزراعية الخصبة التي تمثل سلة غذاء البلاد.
وحسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وتقارير البنك الدولي لعام 2026، فإن استمرار إدارة هذه الموارد خارج قنوات الخزينة العامة للدولة يترك آثارًا كارثية على الاقتصاد الوطني السوري، ويحرم ملايين المواطنين في باقي المحافظات من أبسط مقومات العيش الكريم.
وتشير الوثائق الاقتصادية إلى أن عمليات التهريب المنظم للنفط الخام وتجارة الموارد الأساسية عبر الحدود تدر أرباحًا طائلة لصالح قادة الميليشيات ونافذين محليين وإقليميين، على حساب التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية.
وهذا النزيف الاقتصادي الممنهج يعمق هوة الخلافات بين المركز والأقاليم، ويجعل من استعادة السيطرة على الثروات الوطنية الشرط الأساسي لأي تسوية سياسية ناجحة تضمن بقاء الدولة واستمرارية مؤسساتها الخدمية.
هل تنجح الدبلوماسية في نزع فتيل الأزمات بالشمال السوري؟
مع بلوغ الأزمة السورية مفترق طرق حاسمًا، تتجه أنظار المراقبين والمجتمع الدولي نحو مدى قدرة الأطراف المحلية والدولية على صياغة عقد اجتماعي وسياسي جديد ينهي عقودًا من الاستبداد والفوضى ويحقق تطلعات جميع مكونات الشعب السوري.
وتؤكد مراكز الدراسات الاستراتيجية في تقاريرها الحديثة أن خيار الحوار الشامل والاعتراف المتبادل بالحقوق والواجبات هو السبيل الوحيد لتجنب انزلاق البلاد نحو دوامة جديدة من العنف والتقسيم الفعلي.
إن الشعب السوري، الذي دفع أثمانًا باهظة في سبيل حريته وكرامته، ينتظر بفارغ الصبر اللحظة التاريخية التي تُحل فيها معضلة الميليشيات وتُفرض فيها سيادة القانون على كامل الأراضي السورية من الشمال إلى الجنوب، لتبدأ مسيرة البناء الحقيقي والعدالة الانتقالية التي تليق بتضحيات الأجيال المتعاقبة.

