تتحول ساحات السجون ومراكز الإعدام في إيران يوميًا إلى مسارح مظلمة تعكس حجم الهلع المستشري في أروقة نظام يخشى حتى صدى أصوات مواطنيه المطالبين بالحرية والكرامة.
وفي ظل صراع البقاء الذي يخوضه النظام الإيراني في مواجهة شعبه، تتصاعد وتيرة استخدام عقوبة الإعدام لتتحول من مجرد عقوبة قانونية إلى سلاح سياسي وقمعي فتاك يهدف إلى كسر الإرادة العامة وإخماد أي تحركات احتجاجية محتملة.
إن هذا النهج الدموي الممنهج يعكس أزمة وجودية عميقة تعاني منها السلطة، التي اتخذت من المشنقة أداة رئيسية لترهيب المجتمع وبث الرعب في نفوس النشطاء والمعارضين.
وبينما تتوالى التحقيقات والتقارير الصادرة عن المنظمات الدولية والأممية لتكشف بالأرقام الفلكية حجم الانتهاكات الجسيمة، يبرز تساؤل ملح حول مدى قدرة آلة القمع على الاستمرار في خنق تطلعات الملايين من أبناء الشعب الإيراني الأبي.
أرقام فلكية وتقارير حقوقية دولية توثق التصعيد القياسي للمقاصل في إيران
تؤكد التقارير والبيانات الإحصائية الصادرة عن المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية أن السلطات الإيرانية تواصل تصدر قائمة أكثر دول العالم تنفيذًا لأحكام الإعدام، وسط تجاهل صارخ لكافة المواثيق والأعراف الدولية.
ففي تقرير مشترك ومفصل أصدرته منظمتا “حقوق الإنسان في إيران” و”معًا ضد عقوبة الإعدام” في أبريل من عام 2026، كشفت البيانات عن توثيق تنفيذ ما لا يقل عن 1639 حالة إعدام خلال عام 2025، مسجلة بذلك ارتفاعًا قياسيًا وغير مسبوق منذ عام 1989.
وفي ذات السياق، أكدت منظمة العفو الدولية، في تقريرها السنوي العالمي الصادر في مايو 2026، أن السلطات الإيرانية نفذت ما لا يقل عن 2159 عملية إعدام، لتكون المحرك الرئيسي وراء الارتفاع العالمي الهائل في أعداد من نُفذ بحقهم حكم الإعدام.
وهذه الأرقام المخيفة، والصادرة عن جهات موثقة، تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن النظام يعتمد سياسة الموت الممنهج لبث الخوف اليومي، بمعدل يصل إلى عدة إعدامات يوميًا، في محاولة يائسة لثني الشارع عن العودة إلى التظاهر والمطالبة بالحقوق الأساسية.
تلفيق التهم وغياب المحاكمات العادلة: المحاكم الثورية كأدوات لتصفية الخصوم
لا تقتصر فظاعة عقوبة الإعدام في إيران على الأعداد الهائلة وحدها، بل تمتد لتشمل الطبيعة الكارثية للمحاكمات التي تفتقر إلى أبسط معايير النزاهة والعدالة الجنائية الدولية والمحلية.
وتشير التقارير الصادرة عن المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في إيران إلى أن النسبة الكبرى من الأحكام تصدر عن “المحاكم الثورية” برئاسة قضاة مسيسين يعتمدون بصورة مطلقة على اعترافات انتُزعت تحت التعذيب الجسدي والنفسي الممنهج.
وفي تقارير حقوقية موثقة أُصدرت أواخر عام 2025 وأوائل عام 2026، تم توثيق حالات إعدام طالت شبانًا ومتظاهرين وناشطين من الأقليات القومية والمهمشة، تحت تهم فضفاضة وملفقة مثل “الفساد في الأرض”، و”محاربة الله”، و”البغي”، أو التجسس لصالح جهات أجنبية، دون تقديم أي أدلة مادية أو قانونية مقنعة.
وهذا الاستخدام العبثي للنظام القضائي يوضح بجلاء كيف أصبحت المحاكم الإيرانية مجرد واجهات شكلية لتمرير قرارات التصفية السياسية الجسدية بحق كل من يجرؤ على رفع صوت الاحتجاج أو رفض سياسات الاستبداد والفقر والقمع.
استهداف المحرومين والفئات المهمشة: سياسة العقاب الجماعي والأقليات
تظهر التحليلات الدقيقة لبيانات الإعدام في إيران أن السلطات تتعمد استهداف الفئات الأكثر هشاشة وتهميشًا في المجتمع الإيراني، بما في ذلك الأقليات العرقية والدينية، والنساء، والعمال المهاجرون، كجزء من استراتيجية عقاب جماعي واسعة النطاق.
فقد أشار التقرير السنوي لمنظمة “حقوق الإنسان في إيران” لعام 2026 إلى إعدام ما لا يقل عن 48 امرأة خلال عام 2025، في أعلى رقم مسجل منذ عقدين من الزمن، إلى جانب إعدام العشرات من أبناء الأقليات القومية، كالكراد والبلوش والعرب، الذين يتعرضون لتمييز ممنهج ومضاعف.
كما شهدت قضايا المخدرات ارتفاعًا هائلًا في أعداد المحكومين بالإعدام، حيث نُفذت مئات الإعدامات بحق فقراء ومهمشين حُرموا من حقهم في التمثيل القانوني العادل، مما يعكس توظيف قوانين مكافحة المخدرات الصارمة كستار لتنفيذ تصفيات اجتماعية تزيد من قبضة الخوف والسيطرة الأمنية.
وحسب تقارير منظمة العفو الدولية، فإن هذه السياسات تستهدف سحق أي مجتمعات محلية قد تشكل حاضنة حقيقية للمطالب الحقوقية والاحتجاجات الديمقراطية.
الموقف الدولي والنداءات الأممية: هل تفلح الضغوط في وقف ماكينة الإعدامات؟
مع استمرار هذا النزيف الدموي غير المسبوق، تتعالى الأصوات والنداءات الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية العالمية للتدخل العاجل والفوري لوقف هذه المجازر القانونية المروعة.
فقد عبر خبراء بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة والمعنية بإيران، في إحاطات رسمية أُصدرت مؤخرًا، عن بالغ قلقهم إزاء الارتفاع الجنوني في أحكام الإعدام، محذرين من أن هذه الممارسات المنهجية قد ترقى إلى مستوى “جرائم ضد الإنسانية”، بما يستوجب مساءلة وملاحقة القضاة والمسؤولين المتورطين أمام المحاكم الدولية المختصة.
وفي ذات السياق، أطلقت منظمات المجتمع المدني الإيراني والدولي حملات واسعة النطاق، مثل حركة “ثلاثاءات لا للإعدام”، التي امتدت لتشمل عشرات السجون الإيرانية احتجاجًا على سياسة المقاصل.
ورغم تعنت النظام الإيراني وإصراره على إدارة البلاد بحد السيف والمشنقة، تؤكد التجارب التاريخية وحركات الاحتجاج المتجددة أن سياسة الإرهاب والقمع الدموي لن تنجح أبدًا في كسر إرادة شعوب تبحث عن حريتها، وستظل هذه الدماء دليلًا دامغًا على عجز النظام وقرب نهايته المحتومة.

