تتخبط الدولة الليبية منذ أكثر من عقد من الزمن في أتون مرحلة انتقالية أبدية ومظلمة، تحولت فيها مقدرات الشعب وثرواته إلى غنائم تتنافس عليها تشكيلات مسلحة وميليشيات خارجة عن القانون.
وفي قلب هذا المشهد المعقد، تبرز حقيقة ساطعة ومؤلمة مفادها أن هيمنة السلاح المنفلت ورفض قوى الأمر الواقع الاحتكام إلى الإرادة الشعبية يمثلان الجدار السد الأكبر الذي يحول دون قيام مؤسسات الدولة المدنية الحديثة.
إن تعطيل الاستحقاقات الانتخابية وإجهاض مسودات الدستور الدائم لم يأتيا من فراغ، بل هما نتاج استراتيجية ممنهجة تقودها شبكات النفوذ المسلح لضمان استمرار حالة الفوضى والإفلات التام من العقاب.
وبينما تقف المنظمات الأممية والحقوقية الدولية شاهد عيان على تفشي الانتهاكات والجرائم الجسيمة، يبقى الشارع الليبي رهينة لتجاذبات أمراء الحرب الذين يعرقلون أي بارقة أمل لهوية وطنية جامعة أو مسار ديمقراطي حقيقي.
انتهاكات الميليشيات وغياب سيادة القانون
تؤكد التقارير الصادرة عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن المشهد الأمني في البلاد يتسم بانهيار كامل لسيادة القانون وتغول الميليشيات على المؤسسات الرسمية.
ففي تقاريرها الدورية الشاملة، وثقت منظمات دولية بارزة، مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، مئات حالات الاعتقال التعسفي، والتعذيب المنهجي، والإخفاء القسري، التي ترتكبها جماعات مسلحة تتبع اسميًا الجهات الرسمية، بينما تعمل وفق أجندات ومصالح ضيقة خاصة بها.
وتشير هذه الوثائق الحقوقية إلى أن السجون ومراكز الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية تعج بآلاف الضحايا والمحتجزين خارج إطار القانون، دون أي محاكمات عادلة أو ضمانات قضائية تنصفهم. ويعكس هذا الواقع المأساوي بوضوح كيف تحولت الميليشيات المسلحة إلى سلطة فعلية تفرض قوانينها الخاصة بالحديد والنار، مما يقوض أي محاولة حقيقية لإعادة بناء هيكل مؤسسي أمني وعسكري موحد، وطني، ونزيه.
إجهاض المسار الديمقراطي: كيف تُعطل الانتخابات والدستور بقوة السلاح؟
منذ تعثر الانتخابات العامة التي كان مقررًا إجراؤها أواخر عام 2021، وثقت التقارير الأممية والدولية تدخلات مباشرة وممنهجة قامت بها الميليشيات المسلحة وقوى الأمر الواقع لتعطيل أي توافق سياسي يفضي إلى إنهاء المراحل الانتقالية.
إن الإصرار المستمر على إبقاء الدستور الليبي المؤقت لعام 2011، وعدم إخضاع مسودة الدستور الدائم للاستفتاء الشعبي، يصب مباشرة في مصلحة أمراء الحرب الذين يخشون فقدان مكاسبهم غير المشروعة وامتيازاتهم المالية الضخمة.
وفي هذا السياق، أكدت بعثة تقصي الحقائق الدولية بشأن ليبيا، في تقاريرها الموثقة، أن عرقلة المسار الديمقراطي لم تقتصر على الترهيب السياسي فحسب، بل شملت التهديد المباشر للجان الانتخابية، واستهداف الناشطين الحقوقيين، وقمع حرية التعبير بالرصاص والقوة المفرطة. إن هذا التعنت المسلح يكرس حالة الانقسام المؤسسي بين شرق البلاد وغربها، ويجعل من المستحيل بناء سلطة تشريعية وتنفيذية منبثقة من صناديق الاقتراع الحرة.
اقتصاد الفوضى والابتزاز المالي: شبكات المصالح العابرة للمؤسسات
لا يمكن فصل الهيمنة العسكرية للميليشيات عن سيطرتها المطلقة على موارد الدولة الاقتصادية ومفاصل المال العام في العاصمة ومختلف المدن والمناطق.
فقد وثقت تقارير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي المعني بليبيا كيف تستغل التشكيلات المسلحة مواقعها ونفوذها لابتزاز المؤسسات المالية، والسيطرة على مراكز الاحتجاز المخصصة للمهاجرين غير النظاميين عبر شبكات اتجار بالبشر وشبكات جريمة منظمة تدر أرباحًا طائلة.
وتمنح هذه الإمبراطوريات المالية غير المشروعة الميليشيات القدرة على تمويل عناصرها، وشراء الولاءات، وإجهاض أي محاولات حكومية أو دولية لفرض الإصلاحات الاقتصادية أو هيكلة الأجهزة الأمنية.
وحسب تقديرات مؤسسات بحثية وأممية، فإن استمرار هذا الارتباط العضوي بين المال السائب والسلاح المنفلت يجعل من تفكيك هذه الميليشيات التحدي الأصعب أمام أي مشروع مستقبلي لاستعادة الدولة وتحقيق التنمية المستدامة.
هل ينجح الضغط الدولي في كسر شوكة اللادولة؟
مع استمرار الجمود السياسي وتعثر جهود المبعوث الأممي الحالي في إطلاق حوار وطني شامل يجمع الفرقاء الليبيين على قواعد منضبطة، يبدو المشهد قاتمًا، لكنه لا يخلو من حتمية الحراك الشعبي الرافض للواقع.
وتؤكد مختلف التقارير الاستراتيجية الحديثة أن حل الأزمة الليبية المستعصية يظل مرهونًا بتفعيل أدوات المساءلة الدولية، وتطبيق العقوبات الرادعة بحق معرقلي المسار السياسي وقادة الميليشيات المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة.
إن الشعب الليبي، الذي قدم الغالي والنفيس في سبيل نيل حريته وبناء دولة القانون، يترقب بحذر شديد أي تحرك جاد يفرض حظرًا صارمًا على الأسلحة، ويجبر قوى الأمر الواقع على الانخراط في تسوية حقيقية تُفضي إلى إنهاء حقبة السلاح وتسليم مقاليد الأمور لمؤسسات منتخبة ديمقراطيًا. فبدون تفكيك الميليشيات ورفع قبضتها الحديدية عن رقاب المواطنين، ستبقى كل الحلول السياسية مجرد حبر على ورق.

