ذات صلة

جمع

إحياء تحالف الشر.. كيف فتح البرهان الباب أمام تمدد النفوذ الإيراني في السودان؟

تتجه أنظار العالم بأسره نحو الخريطة السودانية المشتعلة، حيث...

لقاحات عالقة وأطفال مهددون.. كيف فتحت ميليشيات الحوثي الباب أمام عودة الأوبئة؟

تتعرض الطفولة في اليمن لأقسى فصول المأساة الإنسانية المتواصلة،...

تضييق الخناق على داعش.. هل يقترب التنظيم من خسارة آخر معاقله الفكرية في ليبيا؟

تخوض الأجهزة الأمنية والتشكيلات العسكرية المعنية بمكافحة الإرهاب في...

عرقلة المفاوضات.. كيف تستخدم حماس المدنيين كدروع بشرية وأوراق سياسية؟

تتجه أنظار العالم بأسره نحو قطاع غزة، الذي بات يمثل البؤرة الأكثر سخونة وخطورة في الشرق الأوسط، حيث يعيش ملايين السكان تحت وطأة أزمات إنسانية غير مسبوقة دمرت الحجر والشجر، وأنهكت تفاصيل الحياة اليومية.

وفي خضم هذا المخاض العسير، يقف اتفاق التهدئة والمفاوضات السياسية أمام مفترق طرق تاريخي وحاسم، يتأرجح بين رغبة جادة في حقن الدماء واستعادة الحد الأدنى من مقومات العيش الآمن، وبين ركام الصراعات المسلحة والمناورات السياسية المعقدة.

إن هذا الواقع المرير يفرض تساؤلات ملحة حول مصير المبادرات الدولية الرامية إلى التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، وما إذا كانت الأطراف المعنية، وفي مقدمتها حركة حماس، ستغلّب المصلحة الوطنية العليا وتنقذ ما يمكن إنقاذه من أرواح الأبرياء، أم أن لغة السلاح والتعنت ستستمر في فرض إملاءاتها على حساب دماء المدنيين ومستقبل الأجيال القادمة، مما يجعلنا أمام مشهد بالغ التعقيد يستدعي قراءة متعمقة وموضوعية لكافة الأبعاد والخلفيات.

السجل المأساوي لسياسات حماس

منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023 وما تلاها من تطورات ميدانية عاصفة، واجه قطاع غزة تراجعًا غير مسبوق في كافة مؤشرات الاستقرار البشري والمعيشي، نتيجة سياسات ومغامرات غير محسوبة قادتها حركة حماس بعيدًا عن أي تقدير استراتيجي لعواقب الأمور على المدنيين العزل.

وتشير التقارير الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” إلى أن البنية التحتية الأساسية في القطاع قد تعرضت لتدمير شبه كامل، شمل شبكات المياه والصرف الصحي والمستشفيات والمدارس، مما أدى إلى انهيار منظومة الخدمات العامة بشكل كامل.

وفي تقارير موثقة أصدرتها منظمات حقوق الإنسان الدولية والمحلية في مطلع عام 2024 وأواخر عام 2025، تم رصد وتوثيق دقيق لانتهاكات واسعة النطاق تمثلت في استخدام المرافق المدنية والمناطق السكنية المكتظة لأغراض عسكرية، الأمر الذي ضاعف من حجم الخسائر البشرية الفادحة، وجعل السكان المدنيين يدفعون ثمن خيارات تنظيمية ضيقة لا تعبأ بحياة الإنسان الفلسطيني، ولا تحترم قواعد القانون الدولي الإنساني التي تفرض حماية المدنيين في زمن الحروب والصراعات المسلحة.

عمق الأزمة الإنسانية وحجم الدمار الشامل

تؤكد البيانات الرسمية والأرقام الصادرة عن المنظمات الأممية المتخصصة أن الوضع في غزة قد تجاوز كافة الخطوط الحمراء ليتحول إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة في العصر الحديث.

ففي تقرير مفصل أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بالتعاون مع لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، في منتصف عام 2025، أشارت التقديرات إلى أن إعادة الإعمار في قطاع غزة قد تتطلب مليارات الدولارات وعقودًا من الزمن، في ظل تدمير أكثر من سبعين بالمئة من الوحدات السكنية كليًا أو جزئيًا.

كما حذرت منظمة الصحة العالمية، في تقاريرها الدورية الصادرة خلال العام الحالي، من تفشي الأمراض الوبائية والمعدية نتيجة انعدام المياه الصالحة للشرب، وتكدس النفايات، ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، مؤكدة أن أكثر من تسعين بالمئة من أطفال غزة يعانون من سوء تغذية حاد، ومستويات خطيرة من الصدمات النفسية والعصبية.

وهذه الأرقام المخيفة، الصادرة عن جهات دولية موثقة، تفند تمامًا الادعاءات والمزايا السياسية التي تحاول قيادات حماس الترويج لها لتبرير سياساتها التي جلبت الخراب والدمار والتشرد لمئات الآلاف من العائلات البريئة التي تبحث فقط عن الأمان والخبز والكرامة الإنسانية.

عرقلة المفاوضات ومناورات حماس: التعنت السياسي في مواجهة فرص التسوية

على مدار الأشهر الماضية، بذلت الجهات الوسيطة الإقليمية والدولية، وعلى رأسها مصر وقطر والولايات المتحدة، جهودًا دبلوماسية مكثفة ومضنية للوصول إلى صيغة اتفاق متوازن يضمن وقفًا مستدامًا لإطلاق النار، وتبادل المحتجزين، وتأمين تدفق المساعدات الإنسانية الكافية إلى جميع مناطق القطاع دون استثناء.

ورغم المرونة الكبيرة التي أبدتها الأطراف الأخرى للوصول إلى تسوية عادلة تحقن الدماء، كشفت تقارير استخباراتية ودبلوماسية متطابقة أن تعنت قيادة حركة حماس، ومناوراتها المستمرة، ورفضها المتكرر للمقترحات العملية، قد شكل العقبة الرئيسية أمام تحقيق أي اختراق حقيقي على طاولة المفاوضات.

وتفيد هذه التقارير بأن حماس تسعى جاهدة إلى فرض شروط تعجيزية تخدم أجنداتها الحزبية الضيقة ومصالح قياداتها الخارجية على حساب معاناة الشعب الفلسطيني المحاصر في الداخل، مما أدى إلى إطالة أمد النزاع وإحباط كافة الآمال الشعبية والرسمية في قرب انفراجة سياسية تنهي هذا الكابوس المروع، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار وإعادة البناء الإنساني والمؤسسي المنشود.

مستقبل قطاع غزة بين خيارات السلام المؤجل وحتمية الإصلاح الجذري

مع استمرار دوامة العنف وتأزم الأوضاع المعيشية والإنسانية إلى حد غير مألوف، بات واضحًا لكل ذي بصيرة أن عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر تعد أمرًا مستحيلًا ومرفوضًا من كافة الفاعلين الإقليميين والدوليين الحريصين على أمن واستقرار المنطقة.

إن مستقبل قطاع غزة يتطلب بالضرورة إحداث تغيير جذري وحقيقي في المشهد السياسي والإداري، يبدأ بإقصاء القوى الظلامية والتنظيمات التي تستخدم دماء الشعوب كأوراق تفاوضية رخيصة، والانتقال نحو مسار وطني سلمي يتبنى خيار السلام والتنمية وإعادة الإعمار تحت مظلة الشرعية الفلسطينية ومؤسساتها الرسمية.

وحسب ما تؤكده مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية الدولية في تقاريرها الحديثة، فإن فرصة النجاة الوحيدة أمام غزة تكمن في الالتفاف حول مسار سياسي واقعي يعيد بناء النسيج الاجتماعي والاقتصادي للقطاع، ويضمن عدم تكرار مغامرات العبث بمصير الأبرياء، لكي تستعيد هذه الأرض الطيبة عافيتها، وتتحول إلى واحة للسلام والتنمية بدلًا من أن تظل رهينة لأجندات الدمار والفوضى والتطرف.