تشهد المنظومة التعليمية في السودان انهيارًا غير مسبوق في ظل حرب عبثية لم تستثنِ طفولة ولا مقدرات مدنية، وتكشف التقارير الأممية والحقوقية عن واقعة بالغة الخطورة تتمثل في تورط أطراف النزاع، بما فيها عناصر تابعة للجيش السوداني وفصائل متحالفة معه، في انتهاك حرمة المدارس وتحويلها إلى ثكنات وأهداف عسكرية.
هذه الاستباحة المنهجية للتعليم لا تعكس فقط استهتارًا صارخًا بالقوانين الدولية الإنسانية، بل تنذر بكارثة استراتيجية تهدد مستقبل البلاد برمته، وسط دعوات ملحة لمساءلة مرتكبي هذه الانتهاكات وجرائم الحرب.
حيث أنه لم يعد قطاع التعليم في السودان بمنأى عن آلة الحرب المستعرة، حيث تشير تقارير صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) واللجنة الدولية لتقصي الحقائق إلى منحنى تصاعدي خطير في استهداف البنية التحتية للتعليم.
لقد تعرضت مئات المدارس لأضرار بالغة نتيجة القصف العشوائي والاحتلال العسكري المباشر من قبل عناصر موالية للجيش السوداني وجهات مسلحة متحالفة معه.
وتكشف المعطيات الميدانية، أن هذه الهجمات لم تكن مجرد أضرار جانبية لمعارك دورية، بل تأتي ضمن نمط ممنهج يعكس تجاهلاً تامًا للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف التي تحظر بوضوح استخدام المؤسسات المدنية والتعليمية لأغراض عسكرية.
أرقام فلكية وتقارير أممية توثق المأساة المروعة
تُظهر لغة الأرقام الصادرة عن الهيئات الأممية والدولية حجمًا كارثيًا للدمار الذي لحق بالقطاع التعليمي والطفولة في السودان منذ اندلاع النزاع.
ففي تقرير دوري أصدرته منظمة “اليونيسف” في أواخر عام 2025، تم توثيق تدمير أو تضرر أكثر من 45% من المؤسسات التعليمية في مناطق النزاع الساخنة، مما حرم ما يقرب من 19 مليون طفل من حقهم الأساسي في التعليم.
وفي ذات السياق، وثق تقريق صادر عن بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في منتصف عام 2024 والمدعم بتحديثات دورية خلال العامين 2025 و2026، وقوع عشرات الحوادث المباشرة التي قامت خلالها عناصر تابعة للجيش السوداني وميليشيات الإسلاميين المتحالفة معه بطرد الطلاب والمعلمين وتحويل المدارس في ولايات مثل الخرطوم ودارفور إلى قواعد عمليات ومخازن للعتاد العسكري، مما جعلها عرضة للقصف والاستهداف المستمر وجعل حياة المدنيين والأطفال دروعاً بشرية مكشوفة.
شهادات حية ووقائع ميدانية: اتهامات موثقة للمنظومة العسكرية
كما تتطايق الشهادات الحية التي جمعها باحثو حقوق الإنسان المنضوون تحت لواء منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش مع التقارير الأممية، حيث روت عائلات سودانية فجائع لا تُمحى من الذاكرة حول اقتحام المدارس بـالأسلحة الثقيلة.
ففي واقعة موثقة تعود لشهر نوفمبر 2025، قامت عناصر مسلحة ترتدي شارات عسكرية وتتبع لكتائب الظل والإسلاميين الموالين لقيادة الجيش السوداني باقتحام مجمع مدارس أساسية في ولاية الجزيرة تحت ذريعة التمشيط الأمني، وطردت مئات الأطفال المعلمين من الفصول بقوة السلاح، لتقوم لاحقًا بتحويلها إلى نقاط تجمع وثكنات عسكرية.
هذه الوقائع لم تقتصر على التخريب المادي، بل أسفرت في عدة مناسبات عن سقوط ضحايا أطفال سقطوا قتلى وجرحى جراء الاشتباكات التي دارت داخل وحول تلك المنشآت المحمية دوليًا، وهو ما يعتبره خبراء القانون الدولي جرائم حرب صريحة تستوجب ملاحقة القادة العسكريين والسياسيين المسؤولين عنها أمام المحاكم الجنائية الدولية.
التداعيات النفسية والاجتماعية على أطفال السودان
ولا يقتصر الأثر المدمر لاستهداف المدارس على الخسائر المادية أو الإصابات الجسدية فحسب، بل يمتد ليدمر البنية النفسية لأجيال كاملة من الأطفال السودانيين.
وتشير الدراسات النفسية الميدانية التي نشرتها وكالات أممية متخصصة إلى تفشي حالات الصدمة الحادة، واضطرابات ما بعد الصدمة، والقلق المزمن بين الأطفال الذين شهدوا تحول مدارسهم إلى مسارح للعمليات العسكرية.
إن حرمان الطفل من بيئته التعليمية الطبيعية ودمجه القسري في بيئة مشحونة بالعنف والرعب يترك ندوبًا عميقة يصعب مداواتها، ويهدد بضياع جيل كامل يفتقد أبسط مقومات التنشئة السليمة، مما يضع مستقبل البلاد على حافة كارثة إنسانية واجتماعية بعيدة المدى.
وفي ظل الانهيار الشامل لمنظومة القضاء الداخلي وسيطرة القيادات العسكرية والفلول على مفاصل القرار في مناطق نفوذ الجيش السوداني، تصبح أصوات الضحايا مهددة بالضياع إن لم يتدخل المجتمع الدولي بآليات رادعة وفعالة.
إن توثيق الانتهاكات المستمرة ضد المدارس والأطفال من قبل الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية العالمية يمثل خطوة أولى بالغة الأهمية، غير أنها يجب أن تترجم فورًا إلى مذكرات توقيف دولية وتحقيقات قضائية شاملة ضد قادة الجيش والجهات المتورطة في تجنيد الأطفال واستخدام المنشآت المدنية لأغراض عسكرية.
إن إفلات الجناة من العقاب لن يؤدي إلا لمزيد من تمادي الانتهاكات واستمرار نزيف الدم البريء على طاولات الدراسة المدمرة.

