بينما تتصاعد أعمدة الدخان فوق ما تبقى من أحياء العاصمة السودانية الخرطوم وبعض مدن إقليم دارفور، تتراكم الأدلة الموثقة التي تضع الجيش السوداني وقوات عبد الفتاح البرهان في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي، حيث لم تعد الانتهاكات مجرد “أخطاء عسكرية” بل تحولت إلى نمط ممنهج يستهدف البنية التحتية والمواطنين العزل، مما دفع المنظمات الحقوقية والأممية إلى إطلاق تحذيرات عاجلة حول انهيار منظومة حماية المدنيين.
وفي ظل النزاع الذي دخل عامه الثالث، أصبح استهداف المنشآت الطبية واستخدام الأسلحة الثقيلة في المناطق المأهولة بالسكان هو السمة البارزة للعمليات التي يقودها الجيش السوداني، مما يطرح تساؤلات ملحة حول شرعية هذه العمليات وتوافقها مع القانون الدولي الإنساني، وهو ما سنقوم بتفكيكه عبر قراءة متأنية في التقارير الدولية والوقائع الموثقة التي هزت الضمير الإنساني خلال عام 2026.
المنشآت الطبية في مرمى النيران: انتهاك صارخ للقانون الدولي
وتُشير التقارير الصادرة عن منظمة الصحة العالمية “WHO” ومنظمات حقوقية دولية، مثل “هيومن رايتس ووتش”، إلى أن الجيش السوداني نفذ منذ بداية عام 2026 أكثر من 45 غارة جوية دقيقة استهدفت مستشفيات ومراكز صحية في مدن أم درمان وبحري، مما أدى إلى خروجها عن الخدمة تمامًا؛ حيث أكد تقرير أممي صادر في مارس 2026، أن هذه الاستهدافات ليست عشوائية، بل تشير إلى تعمد تدمير البنية التحتية الحيوية التي تخدم آلاف المدنيين.
وفي واقعة موثقة بتاريخ 12 مايو 2026، قصفت طائرات تابعة للجيش السوداني مستشفى “المودة” التخصصي، رغم وجود إشارات واضحة على سطحه تدل على كونه مرفقًا طبيًا.
وقد وثقت الأمم المتحدة في بيانها الصادر بتاريخ 15 مايو 2026 هذه الحادثة كجريمة حرب محتملة، حيث أشار المفوض السامي لحقوق الإنسان إلى أن “حماية المستشفيات هي خط أحمر في القانون الدولي لا يمكن تجاوزه تحت أي مبررات عسكرية”.
الأسلحة المحرمة: كابوس يُهدد الأبرياء في دارفور
ولا تقتصر الانتهاكات على القصف العشوائي، بل تمتد لتشمل استخدام أسلحة محظورة دوليًا وفقًا لاتفاقيات جنيف، فقد كشفت تقارير حقوقية صادرة في يونيو 2026 عن استخدام الجيش السوداني لقذائف “الفوسفور الأبيض” في مناطق شمال دارفور، وهي مادة تتسبب في حروق كيميائية بالغة ولا يمكن إطفاؤها؛ مما أدى إلى مقتل وإصابة العشرات من المدنيين الذين لم يجدوا مكانًا يحميهم من هذا البطش.
وقد استندت منظمة “العفو الدولية” في تقريرها المنشور بتاريخ 20 يونيو 2026 إلى صور أقمار صناعية وتحليلات ميدانية أثبتت وجود بقايا لهذه الأسلحة في مواقع القصف، مؤكدة أن هذه الممارسات تأتي في سياق سياسة “الأرض المحروقة” التي ينتهجها البرهان للسيطرة على المناطق الخارجة عن سيطرته، مع تجاهل تام للنداءات الدولية المتكررة التي تطالب بوقف فوري لاستخدام هذه الأسلحة التي تُعد محرمة بموجب الملحق الثالث لاتفاقية الأسلحة التقليدية.
تصريحات موثقة ومطالبات بالمحاسبة الدولية
وتواترت التصريحات الموثقة عن قيادات عسكرية في الجيش السوداني تبرر هذه الهجمات بـ “ضرورات أمنية”، إلا أن هذه التبريرات اصطدمت بجدار من الرفض الدولي، حيث أشار تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة بتاريخ 30 يونيو 2026 إلى أن الادعاءات بوجود أهداف عسكرية داخل المناطق المدنية لا تعفي قيادة الجيش من مسؤوليتها تجاه الانتهاكات التي تقع للمدنيين، كما وصفت التقرير ممارسات قوات البرهان بأنها تفتقر لأدنى معايير الانضباط العسكري.
وتطالب المنظمات الحقوقية، وعلى رأسها “محامو الطوارئ” في السودان، بضرورة تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة لجمع الأدلة والتحقق من الوقائع الميدانية، خاصة بعد توثيق أكثر من 200 حالة مقتل لمدنيين جراء القصف الجوي في مناطق مكتظة بالسكان منذ بداية شهر أبريل 2026، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمصداقيته في حماية المدنيين السودانيين وتطبيق مبدأ المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب.
إن تتبع خيوط الانتهاكات التي يرتكبها الجيش السوداني يكشف عن استراتيجية واضحة تهدف لترويع المواطنين وتهجيرهم قسريًا، حيث أشار تقرير صادر عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في يوليو 2026 إلى أن القصف المتواصل هو السبب الأول لموجات النزوح الجديدة داخل السودان، مما يحول البلد إلى أكبر أزمة إنسانية يشهدها العالم في القرن الحادي والعشرين.
ويبقى الملف الحقوقي للجيش السوداني تحت إدارة البرهان مثقلاً بالاتهامات والوثائق التي تدين سلوكه العملياتي، فكل غارة على مستشفى وكل قذيفة محرمة تسقط على منزل مدني هي مسمار جديد في نعش أي حل سياسي يعتمد على القوة العسكرية، ما لم يتدخل المجتمع الدولي بقرارات حاسمة تفرض وقفًا فوريًا للعدائيات وتضع حدًا لسياسة الإفلات من العقاب.

