لم تكن “ثورة 26 يونيو” مجرد دعوة عابرة للتظاهر في قطاع غزة، بل كانت محاولة يائسة من شرائح واسعة من السكان للتحرر من واقع معيشي وأمني خانق، إلا أن هذه المحاولة اصطدمت بآلة قمع أمنية وفكرية صممتها حركة حماس بعناية فائقة.
إن الإجهاض المبكر لهذه الاحتجاجات لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة استراتيجية استباقية اعتمدت على “فتاوى التخوين” والتهديد المباشر بالتصفية، مما حول مدن القطاع إلى سجون مفتوحة يخشى فيها المواطن من مجرد التعبير عن رأيه، فهل تحول غزة إلى زنزانة كبيرة بفعل هذه الممارسات؟
منظومة القمع: من الاعتقال إلى التهديد بالقتل
وتفيد تقارير صادرة عن منظمات حقوقية دولية، بما فيها “هيومن رايتس ووتش” و”منظمة العفو الدولية”، بأن السلطات في غزة دأبت منذ سنوات على ممارسة الاعتقال التعسفي ضد الناشطين، حيث وثقت تقارير أممية تعود لعام 2023 وقوع مئات حالات الاعتقال التي استهدفت صحفيين ونشطاء شاركوا في تظاهرات مطلبية.
ويؤكد خبراء حقوق الإنسان، أن استخدام “تهمة التعاون مع إسرائيل” بات سلاحًا سياسيًا جاهزًا لاستخدامه ضد أي صوت يعارض سياسات الحركة، وهو ما وثقه مركز “الميزان” لحقوق الإنسان في تقارير دورية تصف ظروف احتجاز المعارضين، حيث يتعرضون للتعذيب الجسدي والنفسي في مراكز غير رسمية.
فتاوى التخوين كأداة للإعدام المعنوي
وأصدرت جهات مقربة من حركة حماس، تحت غطاء ديني، فتاوى وصفت المطالبين بإنهاء حكم الحركة بأنهم “خوارج” أو “عملاء”، وهذه الفتاوى ليست مجرد كلام نظري، بل هي غطاء قانوني وشرعي تمنحه الحركة لعناصر أمنها لارتكاب انتهاكات تصل إلى حد التصفية الميدانية دون محاكمات عادلة.
وتشير شهادات موثقة من داخل القطاع إلى أن هذه الفتاوى أدت إلى “عزلة اجتماعية” قسرية للمعارضين، حيث يخشى المواطنون حتى من مجرد الحديث مع من توصفهم الحركة بأنهم “خونة”، مما يفكك النسيج الاجتماعي ويضمن للحركة السيطرة المطلقة على الرأي العام.
وقائع موثقة: عندما يتحول المستشفى إلى مركز استخبارات
وتعد الشهادات التي أدلى بها ناشطون حول استجوابهم في مراكز غير تقليدية، مثل المستشفى المعمداني، دليلاً صارخًا على تغلغل الأجهزة الأمنية في مرافق الحياة اليومية والخدمية، حيث أفاد شهود بأن المستشفيات تحولت في فترات التوتر إلى ثكنات للتحقيق والترهيب.
وإن هذه الممارسات تضرب بعرض الحائط كافة العهود الدولية المتعلقة بحماية المدنيين وحرمة المرافق الصحية، وهي وقائع تشبه إلى حد كبير ما وثقته التقارير الحقوقية الدولية عام 2024 حول تدهور أوضاع حقوق الإنسان في القطاع نتيجة تغول الأجهزة الأمنية على السلطة القضائية.
ذاكرة القمع: عدي الرباي كنموذج للترهيب
وما يزال اسم الشاب عدي الرباي محفورًا في ذاكرة الغزيين، فهو ليس مجرد رقم في سجلات الضحايا، بل هو الرسالة التي أرادت الحركة إيصالها للشارع: “الاعتراض يعني الموت تحت التعذيب”، حيث أكدت تقارير حقوقية فلسطينية، أن جثمانه حمل آثار تعذيب وحشية لا يمكن تفسيرها إلا كأداة ردع.
وتكررت هذه الوقائع في حوادث متعددة خلال العامين الأخيرين؛ مما أدى إلى خلق حالة من “الخوف المتراكم” الذي جعل التظاهر خيارًا انتحاريًا، وهو ما أكدته تقارير “مقرري الأمم المتحدة الخاصين” الذين أشاروا مرارًا إلى سياسة ممنهجة لتكميم الأفواه في غزة.
تكتيكات القمع الممنهج: الانتهاكات الأمنية في مواجهة الحراك الشعبي
وتُمارس حركة حماس سياسات قمعية ممنهجة لإجهاض أي حراك شعبي يطالب بالحقوق الأساسية، حيث وثقت تقارير صادرة عن “المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان” و”الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان” (ديوان المظالم) في تقاريرها السنوية لعامي 2023 و2024 قيام الأجهزة الأمنية التابعة للحركة بشن حملات اعتقال واسعة طالت مئات النشطاء والصحفيين، وغالبًا ما تتم هذه الاعتقالات دون مذكرات قضائية أو عرض على نيابة عامة، في انتهاك صارخ للمادة (11) من القانون الأساسي الفلسطيني.
وتؤكد شهادات حية ووقائع موثقة في تقارير “مقرري الأمم المتحدة الخاصين” استنادًا إلى شكاوى تلقتها من داخل القطاع، تعرض المحتجزين لأساليب تعذيب قاسية داخل مراكز احتجاز غير رسمية، بهدف انتزاع اعترافات قسرية، في استغلال واضح لحالة الطوارئ لإسكات أصوات المعارضة، وهو ما يعتبره القانون الدولي الإنساني خرقًا لاتفاقية مناهضة التعذيب التي انضمت إليها دولة فلسطين.
وتعتمد حماس في تبريرها لهذه الجرائم على استراتيجية “التخوين الممنهج”، حيث كشفت وقائع ميدانية موثقة في تقارير “هيومن رايتس ووتش” عن استخدام الحركة لتهم “التعاون مع الاحتلال” كذريعة قانونية لتصفية الخصوم السياسيين أو ردع المتظاهرين، وهو إجراء يفتقر لأدنى معايير المحاكمة العادلة المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وتُشير التقارير الحقوقية إلى أن هذه التهم غالبًا ما تُفضي إلى أحكام بالإعدام تنفذها أجهزة الحركة أو محاكمها العسكرية دون مصادقة رسمية من الرئيس الفلسطيني، في مخالفة صريحة للالتزامات الدولية.
حيث سُجلت العديد من الحالات التي أُعيد فيها جثامين معتقلين لذويهم وعليها آثار تعذيب وحشية، ما يُعد رسالة ترهيبية تهدف إلى كسر الإرادة الشعبية وتكريس حالة من “الخوف الممنهج” الذي يمنع المواطنين من ممارسة حقهم الأصيل في التجمع السلمي والتعبير عن الرأي، مما يجعل هذه الممارسات تصنف قانونيًا كأعمال قمع سياسي تهدف للحفاظ على السلطة بالقوة الغاشمة.
هل تنجح معادلة القمع على المدى البعيد؟
ورغم نجاح حماس في منع خروج المتظاهرين في 26 يونيو، إلا أن الاحتقان الشعبي يتزايد تحت السطح، فالأرقام تشير إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية بنسبة تتجاوز 70% في معدلات الفقر، وهو ما يجعل القمع الأمني مجرد “مسكنات مؤقتة” لن تجدي نفعاً أمام انفجار حتمي.
وإن استمرار الاعتماد على التهديد بالإعدام والاعتقالات التعسفية لا يواجه فقط إدانة دولية واسعة، بل يضع الحركة في مواجهة مباشرة مع شعبها، فالحرية التي ينشدها سكان غزة ليست مجرد مطالب سياسية، بل هي حق إنساني أصيل تكفله المواثيق الدولية التي تجاهلتها الحركة في سعيها للتمسك بالسلطة.
ويبقى الشارع الغزي في انتظار لحظة تتغير فيها قواعد اللعبة، حيث لم تعد أدوات الترهيب القديمة قادرة على إخفاء حقيقة أن التغيير بات ضرورة لا بديل عنها، مهما بلغت تكلفة الصمود في وجه آلة البطش التي لا تعترف إلا بقانون القوة.

