ذات صلة

جمع

مخططات الدم.. كيف تسعى المليشيات الحوثية لإرباك الجبهات عبر تصفية القادة؟

في الوقت الذي تعجز فيه المليشيات الحوثية عن إحراز...

خلف كواليس الأزمة.. كيف يستخدم إخوان السودان ورقة البرهان لإعادة التمكين؟

تبدو رقعة الشطرنج السياسية في السودان اليوم وكأنها مسرح...

صرخات من وراء القضبان.. تكدس المهاجرين في ليبيا يفاقم المخاوف من كارثة إنسانية

في مشهدٍ يعكس تزايد الضغوط الأمنية والاجتماعية في ليبيا،...

معركة الاستنزاف الصامت.. كيف تُعيد “المسيرات” رسم خارطة الصراع بين موسكو وكييف؟

دخلت الحرب الروسية الأوكرانية منعطفًا جديدًا يتسم بتصاعد غير...

من الثكنات إلى خنادق “التنظيم”.. لماذا ما يزال البرهان أسيرًا لفكر الإسلاميين المتطرف؟

لم يعد المشهد في السودان مجرد صراع عسكري تقليدي على السلطة، بل تحول إلى معركة وجودية تشنها المؤسسة العسكرية بقيادة عبد الفتاح البرهان ضد تطلعات الشعب السوداني في الحرية والعدالة.

إن التحولات الدراماتيكية في مسار الحرب الحالية تكشف يومًا بعد يوم أن الجنرال البرهان لم يعد يتصرف كقائد لجيش وطني يحمي السيادة، بل كرهينة في أيدي تنظيم متطرف يسعى لاستعادة أمجاده الغابرة على أنقاض الدمار والنزوح وإن الانتهاكات التي يرتكبها الجيش تحت غطاء التحريض الإخواني ليست أحداثًا عارضة، بل هي استراتيجية مدروسة تهدف إلى إذلال المواطن السوداني وكسر شوكته، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول حقيقة الولاءات التي تحرك أصابع الجنرالات في مراكز اتخاذ القرار بالخرطوم، وكيف تحول حلم التغيير الديمقراطي إلى كابوس أمني ترعاه عقيدة “التنظيم” المتعطشة للسلطة.

عسكرة الدولة.. عودة “فلول” النظام البائد للواجهة

منذ اللحظات الأولى لاندلاع الصراع، اتضح للعيان أن هناك انحيازًا غير معلن ولكنه واضح المعالم من قبل البرهان نحو عناصر النظام البائد، المعروفين بـ “الفلول”.

إن إعادة تمكين هذه العناصر في مفاصل الجيش والأجهزة الأمنية لم يكن مجرد خطوة تكتيكية، بل كان التزامًا أيديولوجيًا يعكس عمق الرابط بين البرهان وقيادات الإسلاميين الذين أطاحت بهم ثورة ديسمبر المجيدة.

هذا الارتهان لفكر المتطرفين جعل من الجيش السوداني مؤسسة تعمل بأجندة حزبية ضيقة، متجاهلةً معاناة الملايين من النازحين والضحايا.

إن العسكرة المفرطة لمؤسسات الدولة السودانية اليوم ليست سوى محاولة يائسة لإعادة إنتاج نظام استبدادي سقط شعبيًا، حيث يتم استخدام القوة المفرطة ليس لحماية البلاد من أعداء الخارج، بل لتصفية الحسابات مع القوى المدنية التي تطالب بالدولة المدنية الديمقراطية.

سياسة الإذلال الممنهج: كيف يواجه المواطن السوداني “الخيانة”؟

إن الجرائم التي يرتكبها الجيش بقيادة البرهان تتخذ طابعًا ممنهجًا يهدف إلى كسر الإرادة الشعبية. فاستهداف المدنيين، وتدمير البنية التحتية، ومنع وصول المساعدات الإنسانية لمناطق معينة، كلها أدوات في “صندوق أدوات الإذلال” الذي يتبعه النظام الحالي، وإن تحريض القيادات الإخوانية المرتبطة بالجيش ضد المواطنين، وتصوير كل من ينادي بالسلام أو الديمقراطية كعدو للوطن، أدى إلى خلق حالة من الرعب والتمزق الاجتماعي.

لم يعد المواطن السوداني يواجه الموت بفعل العمليات العسكرية فقط، بل يواجه أيضًا حملات تشويه وتخوين تقودها آلة إعلامية متطرفة تابعة لـ “التنظيم”، مما يعزز القناعة بأن القيادة العسكرية الحالية في السودان قررت المراهنة على خيار الأرض المحروقة بدلاً من تقديم تنازلات حقيقية نحو السلام والتحول الديمقراطي.

ارتهان القرار العسكري لعقيدة التطرف

إن التساؤل الكبير الذي يطرحه المتابعون للملف السوداني يتعلق بمدى قدرة البرهان على اتخاذ قرارات مستقلة عن إملاءات “التنظيم”. تشير المعطيات الميدانية إلى أن مراكز القرار في الجيش باتت مرتهنة كليًا لتوجهات القيادات الإسلامية الراديكالية التي ترى في الحرب فرصتها الأخيرة للعودة إلى الحكم.

هذا الارتهان أدى إلى إطالة أمد الصراع، حيث يرفض البرهان أي مسارات تفاوضية قد تنهي نفوذ حلفائه الإخوانيين داخل المؤسسة العسكرية.

إن استمرار هذا النهج لا يعني فقط استمرار المعاناة الإنسانية، بل يعني أيضًا تآكل شرعية الجيش السوداني وتحوله إلى مليشيا مؤدلجة، الأمر الذي يهدد بتقسيم البلاد وضياع ما تبقى من مؤسسات الدولة.

إن البرهان، بتمسكه بهذه الخيارات، يضع نفسه في مواجهة مباشرة ليس فقط مع خصومه العسكريين، بل مع الشعب السوداني بأسره الذي يرفض العودة إلى حقبة الإقصاء والتطرف.

ولا يمكن قراءة المشهد السوداني دون الاعتراف بأن البلاد تقف عند مفترق طرق خطير. فسياسات البرهان المتمثلة في تحصين موقعه عبر تحالفات إسلامية متطرفة أدت إلى عزل السودان دوليًا وإقليميًا.

إن الانتهاكات الواسعة التي ترتكبها القوات المسلحة، والموثقة في تقارير حقوقية دولية، وضعت السودان تحت مجهر المساءلة، حيث تتزايد المطالبات الدولية بضرورة وقف هذا العبث.

ورغم الضغوط، يصر البرهان على المضي قدمًا في نهجه، مما يؤكد أنه اختار طريق الرهان على “التنظيم” على حساب المصلحة الوطنية العليا، وإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: إلى متى سيصمد السودان تحت وطأة هذا النهج؟

إن استمرار الانتهاكات والارتهان للفكر المتطرف لن يؤدي إلا إلى انهيار شامل، حيث ستجد القيادة العسكرية نفسها محاصرة بعزلة شعبية خانقة وضغوط دولية قد لا ترحم.