تعيش منطقة غرب ليبيا على وقع فاجعة حقوقية جديدة تذكّر الليبيين بأكثر مراحل الأزمة قسوة، حيث أعادت حوادث الاحتجاز والخطف على الهوية إحياء ظاهرة “التصفيات المناطقية” التي ظن الشعب الليبي أنها قد ولّت.
في هذه المرة، أصبحت المعابر والطرق الرئيسية ساحات مستباحة للمليشيات المسلحة، التي تفرض سيطرتها بقوة السلاح بعيدًا عن أي غطاء قانوني أو قضائي.
إن الحادثة التي اندلعت بين مدينتي زوارة والخمس، وما تلاها من عمليات خطف متبادلة طالت مدنيين ومرضى أبرياء، تعكس تحول السلاح المنفلت من أداة للحماية المزعومة إلى وسيلة للابتزاز السياسي والاجتماعي.
هذه الجرائم الممنهجة لا تستهدف أفرادًا بعينهم بناءً على أدلة جنائية، بل تستهدف “الهوية” و”الانتماء الجغرافي”، محولةً المواطن الليبي إلى رهينة في صراع لا ناقة له فيه ولا جمل.
إن استباحة كرامة المسافرين عند معبر “رأس جدير” الحدودي، وتحويلهم إلى أوراق ضغط في مفاوضات غير قانونية، يضع ليبيا أمام منعطف خطير يهدد السلم الاجتماعي ويقوض جهود استعادة الاستقرار، في وقت تبحث فيه البلاد عن أي بصيص أمل للخروج من عنق الزجاجة.
استراتيجية الرهائن: المليشيات الليبية تبتز الدولة
لم تعد المليشيات المسلحة في ليبيا تكتفي بفرض نفوذها العسكري على المدن، بل انتقلت إلى ممارسة “إرهاب الدولة الموازي” من خلال احتجاز المدنيين كرهائن.
وإن هذه الأفعال ليست مجرد تجاوزات فردية، بل هي نهج مؤسسي لدى هذه المجموعات لاستخدام المواطنين كورقة ضغط للحصول على مكاسب سياسية أو للإفراج عن عناصر إجرامية موقوفة لدى الجهات الأمنية.
هذا السلوك يمثل انتهاكًا صارخًا لكافة المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ويعد تحديًا مباشرًا لسيادة القانون، حيث تجد الدولة نفسها عاجزة عن حماية مواطنيها على طرقها الخاصة أمام سطوة القوة الغاشمة التي تتجاوز كل الحدود.
“الخطف على الهوية”: إعادة إحياء النعرات المناطقية
إن أخطر ما في هذه الجرائم هو إعادة إحياء الانقسام المناطقي والجهوي، وهو الفيروس الذي فتك بالجسد الليبي لسنوات. عندما يتم اعتراض مواطن من مصراتة أو زوارة أو غيرها من المدن الليبية فقط لمجرد انتمائه الجغرافي، فإن المليشيات تضع بذرة فتنة أهلية قد تتطور إلى صراعات دموية طويلة الأمد.
كما أن المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا وثّقت حالات مريرة لمرضى ومدنيين لا ناقة لهم ولا جمل في النزاعات، مما يؤكد أن هؤلاء المسلحين يفتقرون إلى أبسط قواعد الأخلاق والحرب، ويضعون البلاد على حافة انفجار اجتماعي لا يمكن السيطرة على تداعياته.
هشاشة المؤسسات وتغول السلاح المنفلت
تكشف هذه الانتهاكات عن هشاشة الإجراءات الأمنية في المنافذ الحدودية والطرق الرابطة بين المدن، حيث بات من السهل على أي مجموعة مسلحة أن تقيم “نقاط تفتيش غير شرعية” تختار منها ضحاياها.
إن هذه الظاهرة تعري ضعف المؤسسات الأمنية التي عجزت عن فرض سيطرتها رغم الخطط الأمنية المتكررة لإعادة هيكلة القطاع الأمني. وإن استمرار هذا الانفلات يعني أن المواطن الليبي لا يزال هو الخاسر الأكبر، حيث أصبح التنقل بين المدن مخاطرة كبرى قد تنتهي به في غياهب السجون السرية للمليشيات، مما يدفعنا إلى التساؤل: أين دور الحكومة وأجهزة إنفاذ القانون في ردع هؤلاء المجرمين؟
دعوات المحاسبة: لا بديل عن دولة القانون
إن استمرار الإفلات من العقاب هو المحرك الأول لهذه الجرائم، فكلما غابت المساءلة، زادت جرأة المليشيات على انتهاك حقوق المواطنين. وإن النداءات التي أطلقتها مؤسسات المجتمع المدني بضرورة تدخل أعيان المدن، مثل بلدية ومديرية أمن زوارة، هي خطوة ضرورية، لكنها غير كافية ما لم تكن مقرونة بملاحقة قانونية للمتسببين. لا يمكن بناء دولة ديمقراطية بينما تتسلط فئات خارجة عن القانون على رقاب العباد.
حيث يجب أن تكون الأولوية القصوى للقضاء هي استعادة سيادة الدولة، وضمان أن تتم معالجة أي خلافات من خلال المسارات القضائية المختصة، لا عبر غابة البنادق التي لا تلد إلا الفوضى والدمار.
وإن ليبيا اليوم تقف على مفترق طرق؛ إما أن تفرض الدولة سلطتها على كل شبر من أراضيها وتنهي تغول المليشيات، أو أن تستمر في دوامة العنف التي تغذيها النعرات المناطقية والخطف المتبادل. وإن الشعب الليبي، الذي طال انتظاره للاستقرار، لا يزال يطمح إلى اليوم الذي يتم فيه حل هذه التشكيلات المسلحة ودمج أفرادها في مؤسسات الدولة النظامية، ليعود للمواطن أمنه وحريته في التنقل والعيش بكرامة داخل وطنه، بعيدًا عن مخاوف الخطف والاعتقال غير القانوني.

