يعيش لبنان اليوم واقعًا اقتصاديًا مريرًا يتجاوز في تعقيداته مجرد الأزمات المالية التقليدية، حيث أصبحت مفاصل الدولة ومقدراتها المالية أسيرة لمنظومة السلاح التي يفرضها حزب الله.
هذا الارتهان لأجندات خارجية بعيدة عن مصالح الوطن حول الاقتصاد اللبناني من نموذج للمبادرة والنمو إلى هيكل مهترئ يعاني من فقدان السيادة المالية، مما انعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين الذين فقدوا مدخرات عمرهم في ظل غياب أي أفق للحل، إذ إن تغييب سلطة الدولة لصالح الدويلة قد خلق بيئة طاردة للاستثمار ومقوضة للثقة الدولية.
الانهيار المالي: حينما يصبح السلاح بديلاً عن خطط التعافي
يؤكد الخبراء الماليون، أن أزمة الودائع المحتجزة التي وصلت فجوتها إلى نحو 73 مليار دولار ليست مجرد خطأ مصرفي، بل هي نتيجة حتمية لتعطيل الإصلاحات الهيكلية التي تفرضها الهيمنة المسلحة.
إن غياب خطة تعافٍ متكاملة لا يرجع فقط إلى سوء الإدارة المالية، بل إلى وجود “دولة موازية” ترفض الانخراط في أي مسار قانوني قد يؤدي إلى استعادة هيبة مؤسسات الدولة، حيث يحرص حزب الله على إبقاء الاقتصاد في حالة من التردي لضمان استمرار حاجته كبديل هيكلي لمؤسسات الدولة، مما يمنعه من الامتثال لأي معايير دولية للشفافية.
في مقابل ذلك، يقف القطاع المصرفي اللبناني عاجزًا عن اتخاذ قرارات جريئة بضغط من هذه المنظومة التي ترفض المساس بمصالحها أو السماح للحكومة بالتعامل مع المؤسسات المالية الدولية بشروطها المهنية، وإن استمرار تمديد آليات ضخ السيولة الشهرية للمودعين لا يمثل سوى مسكنات مؤقتة تخفي وراءها فشلاً ذريعًا في معالجة الجذور التشريعية والمالية للأزمة، حيث تصر القوى المتنفذة على تحميل المودعين الجزء الأكبر من الخسائر بدلاً من محاسبة من تسببوا في تآكل أصول الدولة عبر سنوات من الهدر والفساد المقنن.
العزلة الدولية: كيف يغلق السلاح أبواب النجاة الاقتصادية؟
لا يمكن لأي اقتصاد أن ينمو في ظل دولة محكومة بقرار حرب وسلم لا يملكه أصحاب الشأن، وهو ما يفسر هروب الرساميل وانهيار القطاعات الحيوية مثل الطيران والخدمات اللوجستية التي تعاني من الغارات والتهديدات الأمنية المستمرة.
إن سياسات حزب الله التي تربط مصير لبنان بالصراعات الإقليمية قد تسببت في عزل البلاد عن النظام المالي العالمي، مما جعل الحصول على قروض دولية أو تدفقات نقدية استثمارية أمرًا مستحيلاً، في وقت تشتد فيه الحاجة لتلك الأموال لإعادة بناء المرافق المهدمة ودعم القطاعات المنتجة التي دمرتها حروب الحزب العبثية.
إن تضرر قطاعات مثل “طيران الشرق الأوسط” ليس إلا انعكاسًا لمخاوف المستثمرين والطيارين من الغارات التي تجر البلاد إليها مغامرات الحزب، مما يؤكد أن الأمن الاقتصادي لا ينفصل أبدًا عن الأمن القومي.
ومع استمرار حزب الله في فرض قبضته، يجد المركزي اللبناني نفسه مضطرًا لبيع أصوله العقارية والمالية، بما في ذلك سندات اليوروبوندز، لتأمين سيولة تكفي لأشهر معدودة، وهي إجراءات تفرغ الدولة من مقدراتها المستقبلية لتمويل تبعات العجز الذي خلفته سياسات الحزب التي لا تراعي إلا بقاءه التنظيمي.
صراع الإرادات: الدولة المخطوفة والودائع الضائعة
بات واضحاً لكل مراقب أن استعادة الانتظام المالي في لبنان تتطلب أولاً استعادة القرار السيادي من أيدي الذين رهنوها لمشاريعهم العقائدية، فمشروع الدولة الذي يطمح إليه المودعون يصطدم دائمًا بجدار الرفض الذي يبنيه الحزب حول المؤسسات، وإن الودائع التي صُرفت لمئات الآلاف من المواطنين عبر برامج السحب لم تكن سوى محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، في حين تظل الثروة الحقيقية التي كان يمكن أن تبني اقتصادًا مزدهرًا حبيسة التجاذبات السياسية التي يديرها الحزب لضمان ولاء بيئته الحاضنة عبر تمويلات مشبوهة تغني عن تمويلات الدولة.
إن الخروج من هذه النفق المظلم يتطلب تحرير الاقتصاد من “رحمة السلاح”، وإعادة إخضاع المصرف المركزي ومؤسسات الرقابة لسلطة القانون والدستور، بعيدًا عن ضغوط الميليشيات التي تسعى لترسيخ الانهيار كأداة للسيطرة.
ولا يمكن الحديث عن إصلاحات مالية بينما يسيطر الحزب على المعابر الحدودية ويمنع قيام سوق وطنية موحدة، حيث يفضل الحزب إبقاء الاقتصاد في حالة “الرمق الأخير” لضمان عدم خروج الشارع التونسي أو اللبناني عن طاعته.
إن المرحلة المقبلة تستوجب مواجهة حقيقية مع جذور الأزمة، وهي سلاح الحزب غير الشرعي، الذي يمنع لبنان من استعادة عافيته المالية والعودة كلاعب في النظام الاقتصادي العالمي.
إن مدخرات اللبنانيين ليست أرقامًا في دفاتر المصارف، بل هي جهد سنين ضاعت بسبب رهانات خاسرة فرضها حزب الله على بلد لم يجنِ من سياسات الحزب سوى الحروب والفقر والعزلة.
لا خلاص للبنان إلا بإنهاء هذه الحالة الشاذة، والبدء في مسار قانوني حقيقي يضمن حقوق المودعين، ويفتح الباب أمام استثمارات جديدة لا تخاف من لغة السلاح، ولا تعتمد على توازنات الميليشيات، بل على مؤسسات دولة تحترم الدستور وتخدم المواطن أولاً وأخيرًا.

