ذات صلة

جمع

رغم أجواء التفاؤل.. 4 قضايا معقدة تهدد الاتفاق المرتقب بين واشنطن وطهران

تقترب الولايات المتحدة وإيران من محطة مفصلية في مسار...

اقتصاد تحت رحمة السلاح.. كيف دمر حزب الله القطاع المالي في لبنان؟

يعيش لبنان اليوم واقعًا اقتصاديًا مريرًا يتجاوز في تعقيداته...

مضيق هرمز تحت الرقابة.. كيف فشلت إيران في تحويل الملاحة الدولية إلى أداة ابتزاز؟

في منعطف تاريخي يقلب الموازين الجيوسياسية في المنطقة، وجد النظام الإيراني نفسه اليوم أمام خيار وحيد لا ثاني له، وهو القبول بتسوية دبلوماسية “رائعة” كما وصفها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد أن وصلت البلاد إلى حافة الانهيار الكامل نتيجة سياسات طهران القائمة على التمدد الإقليمي، والتهديد المستمر للملاحة الدولية، والرهان الخاسر على مغامرات عسكرية لم تجلب للداخل الإيراني سوى الفقر والحصار.

لقد كان مشهد التراجع الإيراني الأخير انعكاسًا طبيعيًا لحالة من الإعياء العسكري والسياسي التي ضربت مفاصل طهران، حيث أدرك صنّاع القرار هناك أن الاستمرار في نهج التصعيد لم يعد مغامرة محسوبة، بل أصبح انتحارًا سياسيًا يهدد ببقاء النظام نفسه تحت وطأة ضربات عسكرية لا ترحم، وهو ما دفع القيادة الإيرانية للبحث عن “طوق نجاة” في العواصم الأوروبية لإنقاذ ما تبقى من اقتصادها المتهالك.

كيف تحولت “أوهام النفوذ” إلى جحيم اقتصادي؟

لم تكن التدخلات الإيرانية في شؤون الجيران، ولا إثارة الفوضى في ممرات الطاقة العالمية، سوى محاولات بائسة للهروب من استحقاقات الداخل، حيث استنزفت مليارات الدولارات في تمويل مليشيات عابرة للحدود وتطوير برامج نووية استفزازية، بينما كان المواطن الإيراني يعاني من تدهور حاد في مستوى المعيشة وارتفاع جنوني في الأسعار.

لقد حوّلت القيادة الإيرانية الدولة من قوة إقليمية واعدة إلى بؤرة للصراعات، مما جعل النظام هدفًا مشروعًا لسياسة “الضغط الأقصى” التي وضعت مفاصل الدولة الحيوية تحت مجهر العقوبات الدولية الخانقة.

إن السياسات الإيرانية التي استهدفت الملاحة البحرية في مضيق هرمز، وفرض الحصار على الموانئ، لم تكن سوى عمل إجرامي هدفه ابتزاز المجتمع الدولي، إلا أن رد الفعل العالمي كان حاسمًا، إذ فقدت طهران تدريجيًا قدرتها على التحكم في خيوط اللعبة، وبدأت خسائرها الميدانية والاقتصادية تتراكم بسرعة مذهلة، ما جعل من توقيع اتفاق دولي ينهي الحصار ليس مجرد خيار، بل ضرورة ملحة لاستعادة أدنى مستويات الاستقرار قبل أن تنهار الدولة تماماً تحت ضغط عزلتها العالمية.

جرائم طهران في المنطقة

لا يمكن قراءة المشهد الراهن دون التوقف عند الجرائم التي ارتكبها النظام الإيراني، حيث تحولت أجزاء واسعة من المنطقة إلى ساحات للحرب والدمار بسبب الطموحات الإيرانية غير المشروعة؛ ففي لبنان كما في غيرها، قادت التدخلات الإيرانية إلى أزمات إنسانية مفجعة، حيث سقط آلاف الضحايا الأبرياء في حروب عبثية لم تكن تخدم إلا الأجندة التوسعية للنظام. إن دماء المدنيين التي سُفكت جراء الغارات الجوية المتبادلة هي شاهد عيان على عبثية السياسة الإيرانية التي لم تكتفِ بتدمير استقرار جيرانها، بل دمرت حياة شعبها الذي بات يدفع الثمن من أمنه واستقراره ومستقبله.

تاريخ إيران منذ عقود من سياسة التشدد والعداء لم ينتج سوى المزيد من الحرائق الإقليمية، فبينما كان يتوقع العالم أن تكون إيران جزءًا من منظومة الأمن الإقليمي، فضّل النظام الانعزال خلف جدران الأيديولوجيا، ممارسًا أبشع أنواع القمع في الداخل لتكميم الأفواه الرافضة لسياسات التصعيد، مما جعل النظام الإيراني اليوم يقف وحيدًا أمام محاسبة التاريخ، حيث تُكشف يومًا بعد يوم سجلات التخريب التي طالت كل مكان امتدت إليه أصابع النظام المتطرف.

لماذا تراجع النظام الإيراني في اللحظة الأخيرة؟

إن موافقة “أعلى مستوى” في القيادة الإيرانية على بنود الاتفاق الأخير ليست دليلاً على وجود “رؤية سلمية”، بل هي اعتراف ضمني بالهزيمة الاستراتيجية أمام الضغوط الدولية؛ فقد أدرك الحرس الثوري أن القدرات العسكرية الإيرانية التي تغنى بها النظام لسنوات قد تم تحييدها جزئيًا، وأن المنشآت الحيوية التي تعرضت لضربات جوية دقيقة في فبراير الماضي قد كشفت هشاشة الدفاعات الإيرانية.

لقد أصبح الخيار الآن بين “التوقيع” أو “الانهيار الشامل”، واختار النظام التوقيع ليس حبًا في السلام، بل خوفًا من مصير محتوم قد يؤدي إلى سقوط النظام بالكامل إذا ما استمرت وتيرة الضربات المكثفة.

إن التراجع الإيراني الحالي يأتي في وقت فقد فيه النظام ثقة حلفائه الذين باتوا يدركون أن الارتهان لأجندة طهران هو طريق نحو الهاوية، حيث شهدت أسواق الأسهم والعملات داخل إيران حالة من التخبط غير المسبوق، مما يعكس ذعر النخبة السياسية من أن أي تأخير في إبرام الصفقة يعني مواجهة مباشرة قد لا تُبقي للنظام أي أثر، مما يجعل من أوروبا مسرحًا لمشهد “تسليم الأوراق” الأخير لنظام أدرك أخيرًا أن العالم لم يعد يحتمل عبثياته.

إن ما يمر به النظام الإيراني اليوم يجب أن يكون درسًا لكل من تسول له نفسه زعزعة أمن المنطقة، فسياسة التهديد لم تنتج سوى المزيد من الحصار، وطموحات التوسع لم تُثمر إلا عن انهيار مالي، فإيران التي كانت تحلم بتصدير “ثورتها” تجد نفسها اليوم تحاول بشتى الطرق تصدير “أزمتها” إلى الخارج عبر البحث عن صفقات تسويقية.

إن الشعب الإيراني، الذي طالما كان الضحية الأولى لسياسات النظام، يتطلع اليوم إلى مستقبل لا مكان فيه للحروب الأيديولوجية أو صراعات النفوذ، مستقبل يعيد للمواطن الإيراني كرامته التي ضاعت في دهاليز السياسات المتطرفة التي تبناها النظام طوال العقود الماضية.