لم يعد التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية للدول العربية مجرد فرضيات سياسية، بل أصبح واقعاً ملموساً يتجلى في تحركات ميدانية تقودها أذرع “الحرس الثوري” عبر امتدادات جغرافية واسعة، من المنامة في الخليج العربي، مروراً ببغداد، وصولاً إلى بيروت. تتشابه الأساليب وتتوحّد الغاية؛ وهي إضعاف الدولة الوطنية وتفكيك نسيجها الاجتماعي لصالح أجندة توسعية تعتمد على الفوضى كأداة للسيطرة.
إن البصمات الإيرانية باتت واضحة في كل أزمة تعصف بالاستقرار الإقليمي، حيث يسعى الحرس الثوري إلى تحويل الدول إلى ساحات نفوذ تعزز من موقفه التفاوضي دولياً، دون اكتراث بحجم التضحيات البشرية والاقتصادية التي يدفعها المواطن العربي.
استراتيجية التغلغل والتوغل الاجتماعي
تعتمد طهران في تنفيذ أجنداتها على سياسة “التوغل الاجتماعي”، حيث لا تكتفي بالدعم العسكري للميليشيات، بل تعمل على اختراق المجتمعات من الداخل.
يركز الحرس الثوري جهوده على استقطاب الشباب والناشئة، مستغلاً الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لزرع خلايا تنفذ توجيهات تحريضية تهدف إلى ضرب السلم الأهلي.
إن هذه الخلايا الميدانية، التي يتم كشفها دورياً في دول مثل البحرين، تعمل كقنابل موقوتة داخل الدول العربية، حيث تُكلَّف بمهمات تتراوح بين التخابر، والتحريض على العنف، والترويج لأفكار غريبة عن هوية المجتمعات، مما يخلق بيئة من الشك والريبة داخل النسيج الوطني الواحد، ويضعف من قدرة الدولة على تنفيذ مشاريع التنمية المستدامة.
بصمات الفوضى: من المنامة إلى بغداد وبيروت
إن تتبع مسار الفوضى في العواصم العربية يكشف عن خيط رفيع يربط بين المنامة وبغداد وبيروت؛ وهو التنسيق المباشر مع الحرس الثوري الإيراني. في البحرين، كانت اليقظة الأمنية دائماً هي السد المنيع أمام محاولات اختراق الجبهة الداخلية، حيث تواصل وزارة الداخلية رصد وتفكيك الشبكات المرتبطة مباشرة بوكلاء طهران.
أما في العراق ولبنان، فقد أدى هذا التدخل إلى تآكل هيبة الدولة وتضخم دور “الدولة الموازية” التي تتبع الأوامر الخارجية. إن النتيجة واحدة: استنزاف مقدرات الشعوب، وتدمير الاقتصاد، وتكريس حالة من الانقسام الحاد الذي يمنع أي محاولة للنهوض الوطني. كل ذلك يتم تحت غطاء أيديولوجي يحاول شرعنة هذه الجرائم، بينما يظل الهدف الحقيقي هو تحويل هذه الدول إلى منصات لنفوذ إقليمي لا يعترف بسيادة الجوار.
التضليل الإعلامي كأداة للهيمنة
لا يقتصر الدور التخريبي للحرس الثوري على العمل الميداني، بل يمتد ليشمل “حرباً ناعمة” تهدف إلى غسل الأدمغة وتشويه الحقائق. تدير إيران منظومة إعلامية ضخمة تروج لسرديات كاذبة، تحاول فيها تبرير تدخلاتها بدعاوى “المقاومة” أو “نصرة المظلوم”، بينما يشير الواقع إلى أنها لا تستهدف سوى مصالحها الضيقة.
وتستغل هذه الآلة منصات التواصل الاجتماعي لبث الشائعات، وتخوين القوى الوطنية المخلصة، وتضخيم الأزمات الداخلية لإضعاف ثقة المواطن في دولته.
إن هذه الحرب النفسية هي جزء لا يتجزأ من جرائم الحرس الثوري، حيث تهدف إلى تحطيم الوعي الشعبي وجعله أداة طيعة لخدمة أهداف طهران، مما يجعل التصدي لهذه الأفكار واجباً وطنياً يتوازى مع المواجهة الأمنية.
مستقبل المنطقة في مواجهة الأطماع الإيرانية
إن التحدي الذي تفرضه سياسات الحرس الثوري الإيراني يضع دول المنطقة أمام مسؤولية تاريخية في تعزيز الوحدة الوطنية وتفعيل الأجهزة الأمنية لحماية السيادة. إن تجارب الشعوب العربية أثبتت أن استقرار الدولة هو الخط الأحمر الذي لا يمكن التهاون فيه.
إن التكاتف العربي لرصد هذه التحركات، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والعمل على تحصين الجبهات الداخلية ضد الاختراق، يُعد الركيزة الأساسية لإفشال مخططات التوسع الإيراني.
لقد آن الأوان للمجتمع الدولي أن يضع حداً لهذا السلوك الذي يهدد أمن الملاحة العالمية، واستقرار الطاقة، وسلامة المجتمعات، من خلال فرض إجراءات رادعة تمنع تمويل الميليشيات وتفكك شبكات التجسس والتحريض التي يديرها الحرس الثوري خلف الستار. إن طريق المستقبل يجب أن يكون نحو بناء الدول لا تدميرها، ونحو التنمية لا الحروب المفتعلة.

