ذات صلة

جمع

سجون أوروبا في قبضة الإخوان.. كيف تتحول خلف القضبان إلى بؤر للتطرف؟

في قلب القارة العجوز، وبينما تتجه الأنظار نحو مراقبة المساجد والجمعيات، تنمو داخل أسوار السجون الأوروبية “نقطة عمياء” أمنية شديدة الخطورة، حيث نجحت جماعة الإخوان في تحويل الزنازين المظلمة إلى منصات خصبة لتجنيد السجناء وإعادة إنتاج الأيديولوجيات المتطرفة بعيدًا عن أعين الرقابة التقليدية.

لم تعد السجون مجرد مؤسسات للإصلاح العقابي، بل تحولت في استراتيجية الإخوان إلى “مراكز استقطاب” تستغل الاكتظاظ وضعف الرقابة الفكرية لتحويل السجناء، خاصة المهمشين منهم، إلى أدوات طيعة في مشروع الجماعة التدميري الذي لا يرى في الدولة الوطنية سوى هدف للتقويض والسيطرة.

كيف يختطف التنظيم وعي السجناء؟

كشفت الدراسات الأمنية والتقارير الاستخباراتية، أن جماعة الإخوان تتبع نهجًا منظمًا في استغلال حالة الاكتظاظ التي تشهدها السجون الأوروبية، حيث تبلغ نسبة الإشغال في بعضها 139%، مما يخلق بيئة مثالية لخلق “شبكات تأثير غير رسمية” تفرض سطوتها الأيديولوجية على السجناء الباحثين عن هوية أو حماية.

يعتمد التنظيم على استراتيجية “الاستدراج الناعم”، حيث يبدأ عناصرهم الموجودون خلف القضبان بالتقرب من السجناء الذين يعانون من أزمات هوية أو شعور بالإقصاء الاجتماعي، ليقدموا لهم نسخة محرفة من الخطاب الديني تمجد التطرف وتغرس الكراهية ضد المجتمع والدولة، محولين الزنازين إلى غرف عمليات فكرية لغسل الأدمغة.

هذا التحول في استراتيجية الإخوان يعكس إدراكهم لفشلهم في الفضاء العام، مما دفعهم للارتداد إلى المؤسسات المغلقة حيث تضعف الرقابة وتتعزز سطوة “أمراء السجون” من المنتمين للتنظيم، والذين يمارسون ضغوطًا منهجية لإجبار الآخرين على تبني قناعاتهم، مما يجعل السجن في نظرهم قلعة محصنة لإعادة إنتاج الفكر المتطرف.

الإجراءات الفرنسية الحاسمة: محاولة لقطع الطريق على التغلغل

في خطوة استراتيجية تحمل دلالات أمنية عميقة، عينت السلطات الفرنسية “باسكال كورتاد”، أحد الخبراء الذين شاركوا في إعداد تقارير حكومية تفضح ألاعيب جماعة الإخوان، مديرًا عامًا لإدارة السجون، وهو ما اعتبره مصادر إعلانًا رسميًا ببدء معركة “تطهير” داخلية.

يأتي هذا التعيين بتوجيه مباشر من الرئيس إيمانويل ماكرون، في إطار إصلاحات هيكلية تهدف لتقويض نفوذ الإخوان المسلمين داخل قطاع السجون، حيث تسعى الدولة الفرنسية من خلال هذه الخطوة إلى بناء “حصانة فكرية” داخل الزنازين، ومنع تشكل أي بؤر تأثير أيديولوجي قد تهدد أمنها القومي في المستقبل القريب.

أزمة الاكتظاظ: التحدي الأكبر أمام المواجهة الأمنية

تواجه فرنسا واقعًا صعبًا يتمثل في وجود أكثر من 88 ألف سجين مقابل طاقة استيعابية لا تتجاوز 65 ألف مكان، وهذا الاكتظاظ الحاد ليس مجرد أزمة إدارية، بل هو “وقود” تتغذى عليه جماعة الإخوان لترسيخ نفوذها وتجنيد المزيد من الأتباع الذين يجدون في التنظيم “سلطة موازية” داخل السجن.

إن الاستراتيجية الأمنية الفرنسية اليوم تسعى لمواجهة هذا التحدي عبر تعزيز الأمن وبناء مؤسسات سجنية جديدة، ولكن التحدي الحقيقي يكمن في “المعركة الفكرية”، حيث تدرك باريس أن طرد الفكر الإخواني من السجون يتطلب أكثر من مجرد جدران خرسانية، بل يتطلب برامج تأهيل تكسر شوكة الأيديولوجيا التي يغرسها التنظيم في نفوس السجناء.

ما بعد “الاستقطاب الإخواني”: نحو سياسة وقائية شاملة

يطالب خبراء الأمن بضرورة الانتقال من المقاربات التقليدية إلى سياسات استباقية تستهدف “بؤر التأثير” داخل السجون، من خلال مراقبة الخطاب الديني وتأطير النشاطات الفكرية ومنع أي شبكات تأثير غير رسمية من شأنها أن تجعل من السجين مشروع “إرهابي” فور خروجه إلى المجتمع.

إن معركة السجون هي الاختبار الحقيقي لمدى جدية أوروبا في مواجهة تغلغل الإخوان، فإذا ظلت السجون “نقطة عمياء” في استراتيجية الأمن، فسيظل التنظيم قادرًا على تفريخ متطرفين جدد، وهو ما يضع على عاتق الحكومات الأوروبية مسؤولية تاريخية في تنظيف هذه البؤر من السموم الأيديولوجية التي تبثها الجماعة لخدمة أجنداتها السوداء ضد الاستقرار والسلم المجتمعي.