في اللحظة التي يتطلع فيها الشعب العراقي إلى بناء دولة وطنية قوية، قائمة على سيادة القانون وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، تبرز عقبات بنيوية عميقة تضع العراق أمام تحدٍ وجودي، حيث تعمل الميليشيات المرتبطة عضويًا بالحرس الثوري الإيراني على تعطيل أي مسار نحو الاستقرار.
إن هذا الصراع ليس مجرد خلاف حول إدارة السلاح، بل هو صراع هوية ومصير، فبينما تسعى الحكومة العراقية لاستعادة هيبتها وفرض سلطتها، تقف فصائل مسلحة، وعلى رأسها “كتائب حزب الله”، كسدٍ منيع يمنع قيام الدولة، مفضلةً الارتهان للأجندة الإقليمية للحرس الثوري على مصلحة العراق الوطنية.
إن استمرار هذا الوضع يكرس حالة من “الدولة المختطفة”، حيث تحول قرار الحرب والسلم من اختصاص السلطات الدستورية إلى قرار بيد قادة الميليشيات الذين يتلقون توجيهاتهم من طهران.
هذا الاختطاف للقرار السيادي لا يضر فقط بالأمن الداخلي، بل يعزل العراق عن محيطه العربي والدولي، ويحوله إلى ساحة صراع مفتوحة لا تنتهي، مما يحرم المواطن العراقي من أدنى حقوقه في الأمن والتنمية، ويجعل من حلم الدولة الوطنية هدفًا بعيد المنال في ظل هيمنة السلاح المنفلت.
أذرع الحرس الثوري: استراتيجية بناء “الأمن الموازي”
تعتمد الاستراتيجية الإيرانية في العراق على خلق أجهزة أمنية موازية للمؤسسات الرسمية، حيث تمثل “كتائب حزب الله” و”كتائب سيد الشهداء” نماذج حية لهذه الاستراتيجية التي تهدف إلى إفراغ الدولة من محتواها.
إن رفض هذه الميليشيات الانخراط في أجهزة الدولة الرسمية، أو تسليم سلاحها، يكشف بوضوح أن ولاءها لا يذهب للعراق، بل للمشروع التوسعي للحرس الثوري الذي يسعى لتحويل العراق إلى قاعدة إقليمية لنفوذه.
إن هذا “الأمن الموازي” لم يكتفِ بالتمركز خارج سيطرة الدولة، بل أصبح يهدد كل من يحاول بناء مؤسسة عسكرية وطنية مستقلة، مما يعيد إنتاج نماذج دول الفشل التي تسيطر عليها الميليشيات المسلحة.
تتخذ هذه الفصائل من شعارات “المقاومة” و”السيادة” غطاءً شرعياً لأنشطتها التي تخدم في الحقيقة الأهداف الجيوسياسية لطهران، فكلما لاحت في الأفق فرصة لضبط السلاح أو تقوية مؤسسات الدولة، تصاعدت لغة التهديد والوعيد من هذه الأذرع، مؤكدة أنها لن تسمح بانتزاع سلاحها.
هذا السلوك يثبت أن هذه الفصائل ليست سوى “دولة داخل الدولة”، تمتلك من الإمكانات التسليحية، كالصواريخ الجوالة والطائرات المسيرة، ما يفوق في كثير من الأحيان قدرات الأجهزة الأمنية الرسمية، مما يجعل الدولة العراقية رهينة لمزاج هذه الميليشيات التي تقرر متى تضرب ومتى تهدأ بناءً على معطيات إقليمية بعيدة عن المصلحة العراقية.
عرقلة مسار بناء الدولة: التكلفة السياسية والاجتماعية
لا تتوقف أضرار هيمنة هذه الميليشيات عند الجانب العسكري، بل تمتد لتضرب عمق الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي.
إن فوضى السلاح التي ترعاها هذه التنظيمات تمنع جذب الاستثمارات الأجنبية، وتعطل مشاريع إعادة الإعمار، وتكرس حالة من الفساد المؤسسي حيث تسيطر هذه الفصائل على المنافذ الحدودية والقطاعات الاقتصادية الحيوية لتمويل عملياتها.
هذا الاستنزاف لموارد الدولة لصالح تمويل “العمل الجهادي” المزعوم يفاقم من الأزمات المعيشية التي يعاني منها العراقيون، مما يولد حالة من الاحتقان الاجتماعي الذي قد ينفجر في أي لحظة، وهو ما تدركه هذه الفصائل وتعمل على استغلاله من خلال تأجيج الانقسامات الطائفية والمجتمعية لضمان بقائها كـ “حامية” لمصالحها الخاصة.
علاوة على ذلك، فإن عرقلة محاولات الحكومة العراقية لضبط السلاح تعكس فقدان الثقة في إمكانية التعايش مع هذه الميليشيات كشركاء في الوطن.
إن التناقض الصارخ بين وعود الحكومة بضبط السلاح وبين الممارسات الميدانية لهذه الفصائل يخلق حالة من الإحباط لدى المواطن العراقي الذي يرى في هذه الميليشيات عائقًا رئيسًا أمام استعادة حياته الطبيعية.
إن التهديدات المباشرة التي تواجهها الدولة من قبل هذه الأذرع تؤكد أن الطريق إلى بناء الدولة يمر بالضرورة عبر مواجهة هذا النفوذ الذي يبتلع هيبة العراق ويمنعه من استعادة دوره الطبيعي كقوة إقليمية فاعلة ومستقرة.
نحو المخرج: ضرورة المواجهة الوطنية الشاملة
إن الخروج من نفق الهيمنة الميليشياوية يتطلب إرادة سياسية تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة. إن بناء الدولة الوطنية لا يمكن أن يتحقق بوجود “سلاح مقدس” خارج عن القانون، فالمسؤولية التاريخية تقع على عاتق القوى السياسية الوطنية والشعب العراقي الذي يجب أن يرفع صوته عالياً لرفض هذا الارتهان.
إن المطالبة بحصر السلاح ليست مجرد شعار انتخابي، بل هي ضرورة وطنية قصوى لحماية ما تبقى من سيادة الدولة، كما أن دعم الحكومة في فرض سيادة القانون على جميع الأراضي العراقية دون استثناء هو الخطوة الأولى لاستعادة العراق من براثن النفوذ الخارجي.
يظل حلم الدولة الوطنية في العراق معلقاً على قدرة الشعب والنخب الوطنية في تحجيم هذا النفوذ الأجنبي المتمثل في الحرس الثوري وأذرعه المسلحة.
إن الميليشيات التي ترفع شعارات “المقاومة” اليوم هي في الحقيقة المقاوم الأول لطموحات الشعب العراقي في العيش بسلام وكرامة.
إن التخلص من هذا العبء المسلح ليس بالأمر الهين، ولكنه مسار حتمي إذا ما أراد العراق أن يكتب تاريخًا جديدًا، تاريخًا يُبنى بسواعد أبنائه وبإرادتهم الحرة، بعيدًا عن صراعات المحاور والولاءات العابرة للحدود التي لم تجلب للعراق إلا الدمار والتبعية، ولن تكون نهايتها إلا بنهاية هذا النموذج الميليشياوي الذي لا يؤمن بوطن يتسع للجميع.

