لم يعد الصراع الأوروبي مع تنظيم الإخوان المسلمين مجرد جولات أمنية تقليدية تتعقب الخلايا المادية أو مصادر التمويل المباشرة، بل تحول إلى معركة وجودية تخوضها الدولة الوطنية لحماية هويتها ومجالها العام من الاختراق الأيديولوجي المنظم.
وفي قلب هذا التحول الاستراتيجي، تبرز فرنسا كقائدة للمقاربة الغربية الجديدة، حيث نجحت في نقل ملف مواجهة جماعات الإسلام السياسي من أروقة مراكز الأبحاث والدراسات الأكاديمية إلى منصات التشريع البرلماني والمبادرات السياسية الحازمة داخل الجمعية الوطنية الفرنسية.
هذا التطور الممنهج يعكس إدراكًا عميقًا وصادمًا من دوائر صنع القرار بأن الخطر الحقيقي للتنظيم يكمن في قدرته الفائقة على بناء مجتمعات موازية داخل الأحياء الأوروبية، وتأسيس بنى اجتماعية وفكرية متكاملة تفصل المهاجرين عن أوطانهم الجديدة، وتفرغ مفهوم المواطنة من محتواه لتستبدله بالولاء المطلق لأيديولوجية عابرة للحدود تهدف في النهاية إلى تقويض أسس النظام الديمقراطي الغربي.
البنى الاجتماعية الموازية وتفكيك استراتيجية العزل الفكري للتنظيم
لطالما اعتمد تنظيم الإخوان في تغلغله القاري على استراتيجية هادئة وطويلة الأمد، ترتكز على استغلال مناخ الحريات والقوانين الحمائية في الغرب لبناء شبكات عنكبوتية تتداخل فيها الأبعاد الاجتماعية والتعليمية والإعلامية.
وتشير القراءات الأكاديمية المعمقة، وفي مقدمتها أبحاث برنار روغييه المتخصص في شبكات الإسلام السياسي، إلى أن الجماعة لم تكن تستهدف الصدام المباشر مع السلطات في مراحلها الأولى، بل ركزت جهودها على اقتناص السيطرة الفكرية داخل الأحياء والمجمعات السكنية التي تضم جالية إسلامية كبيرة.
وعبر واجهات الجمعيات الخيرية والمراكز الثقافية والمدارس التكميلية، تمكن التنظيم من صياغة “أمن فكري موازٍ” يعزل هذه الفئات مجتمعيًا ونفسيًا، ويغرس في عقول الأجيال الجديدة أن قيم الجمهورية تتناقض بالضرورة مع معتقداتهم الدينية، مما أنتج معضلة اندماجية حادة هددت السلم الأهلي والنسيج المجتمعي الفرنسي في الصميم.
هذا التشخيص الأكاديمي الدقيق كان الشرارة الفكرية التي حركت المياه الراكدة في الأوساط السياسية الفرنسية، حيث تنبه المشرعون إلى أن الاكتفاء بالمعالجة الأمنية للمظاهر المسلحة أو التطرف العنيف يعد قصورًا في الرؤية، طالما بقيت البيئة الحاضنة والفكرة المؤسسة تعمل بحرية تامة تحت لافتات مدنية وقانونية.
وانطلاقًا من هذا الفهم، بدأت صياغة المقاربات الشاملة التي تنظر إلى جماعات الإسلام السياسي كشبكات أيديولوجية متكاملة تستوجب المواجهة على مستويات عدة تشمل التعليم، والإعلام، والتمويل، والخطاب الديني، وهي النظرة التي جعلت من التجربة الفرنسية محط أنظار ودراسة دقيقة من دوائر القرار في الولايات المتحدة والعديد من العواصم الغربية التي بدأت تعاني من ذات التغلغل التنظيمي.
المبادرات البرلمانية في الجمعية الوطنية وسد الثغرات القانونية
انتقلت الدولة الفرنسية بقوة من مرحلة التوصيف والتحذير إلى مرحلة الفعل القانوني الحاسم، حيث شهدت الجمعية الوطنية طرح سلسلة من المبادرات التشريعية والمشاريع البرلمانية التي تهدف إلى تجفيف منابع النفوذ الإخواني ومحاصرة أدواته التنظيمية بشكل مباشر.
هذه القوانين ركزت بشكل أساسي على سد الثغرات التي كانت تستغلها الجماعة للحصول على التمويل العام أو الخاص، وفرضت رقابة صارمة وغير مسبوقة على الجمعيات والمؤسسات الأهلية عبر إلزامها بالتوقيع على “ميثاق الجمهورية” كشرط أساسي لممارسة أي نشاط. هذا الإجراء القانوني مكن السلطات من حل وتفكيك العديد من الكيانات الواجهية التي ثبت تبنيها لخطابات انفصالية أو ترويجها لأدبيات تنظيم الإخوان الفكرية التي تحض على كراهية الآخر ورفض قوانين الدولة الوطنية.
ولم تقف المبادرات التشريعية عند حدود العمل الجمعياتي، بل امتدت لتشمل حظر التمويلات الخارجية المشبوهة التي كانت تتدفق تحت غطاء التبرعات والمشاريع الدعوية، والتي تبين بالدليل القاطع أنها كانت تستخدم لبناء نفوذ سياسي وتأصيل الفكر المتطرف لدى الشباب.
كما شملت التحركات البرلمانية مراجعة شاملة لآليات المراقبة على الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى الساحة الخلفية الأنشط للتنظيم لتبادل الخبرات وتجنيد العناصر ونشر الأيديولوجيا العابرة للحدود، مما وضع شبكات الجماعة في حالة حصار قانوني حقيقي شل قدرتها على المناورة وإعادة التموقع داخل المجتمع الفرنسي.
التنسيق الأطلسي الناشئ وتقاطع المصالح الأمنية بين باريس وواشنطن
إن التحول النوعي في الاستراتيجية الفرنسية لم يقتصر تأثيره على الداخل الأوروبي فحسب، بل بدأت أصداؤه تتردد بقوة عبر المحيط الأطلسي، واجتذبت اهتمامًا متزايدًا من دوائر صنع القرار وصياغة السياسات في الولايات المتحدة الأمريكية، لا سيما في الأوساط القريبة من الحزب الجمهوري والمؤسسات الأمنية هناك.
هذا الاهتمام الأمريكي تجسد بشكل ملموس في اللقاءات والاجتماعات المتبادلة، كالاجتماع الذي احتضنه مقر حزب “الجمهوريين” الفرنسي في باريس، حيث التقى وفد أمريكي رفيع مع خبراء ومشرعين فرنسيين لبحث السياسات العامة والتشريعات المرتبطة بمراقبة التنظيمات ذات الطابع الأيديولوجي هذا التلاقي لا يعبر عن تحالف رسمي بالمعنى العسكري، بل يعكس “تقاطعًا حيويًا في المصالح والأهداف” وتناميّا لتيار غربي واسع يرى أن الخطر الفكري للتنظيم يمثل التحدي الأكبر للأمن القومي المشترك في القرن الحالي.
وتشير التحليلات السياسية الصادرة عن كبريات الصحف العالمية، مثل “لوفيغارو”، إلى أن الدوائر الأمريكية تبدي رغبة حقيقية في الانفتاح على التجربة الفرنسية والاستفادة من آلياتها التشريعية المبتكرة لمواجهة الجدل الداخلي المتصاعد في الولايات المتحدة حول قضايا الهوية والحدود القانونية لحرية التنظيم السياسي والديني.
وفي ظل الخطوات المتصاعدة التي اتخذتها واشنطن مؤخراً لتوسيع العقوبات المالية والرقابة على الشبكات المرتبطة بالجماعة، فإن تبادل الخبرات بين الخبراء الأمنيين والمشرعين على ضفتي الأطلسي من شأنه أن يساهم في بلورة مقاربة دولية موحدة وأكثر دقة، قادرة على إنهاء النفوذ التاريخي لتنظيم الإخوان المسلمين، وتفكيك بنياه الموازية التي حاولت على مدى عقود طويلة اختراق المجتمعات الغربية وإعادة تشكيل مجالها العام بما يخدم مشروعها الأيديولوجي الخاص.

