تجاوزت ممارسات ميليشيا الحوثي في اليمن حدود العمل العسكري أو السياسي لتصل إلى عمق البنية الاجتماعية والأخلاقية للمجتمع، حيث برزت ظاهرة “المشرفين” كأداة قمعية ومركزية لإدارة شؤون المناطق الخاضعة لسيطرتهم، ليس من منظور إداري أو تنموي، بل من منظور سلطوي استعلائي يعتمد على الإرهاب الممنهج، مما أفرز أنماطًا من الجرائم والانتهاكات التي لم يعهدها الشعب اليمني في تاريخه الحديث، وأصبحت تشكل تهديدًا وجوديًا لهويته وقيمه الراسخة.
إن الدور الذي يلعبه “المشرف الحوثي” في مناطق الانقلاب يتجاوز مجرد كونه ممثلاً للسلطة، ليصل إلى كونه حاكمًا بأمره يتمتع بحصانة مطلقة تمنحه الحق في انتهاك الأعراض، ومصادرة الأموال، واستغلال الأطفال، دون خوف من محاسبة قانونية أو مجتمعية.
حيث تحولت هذه الممارسات إلى ظاهرة ممنهجة تخدم استراتيجية الميليشيا في إخضاع المجتمع، وإجباره على التكيف مع واقع جديد قوامه الخوف والفساد، وهو ما خلق حالة من الاحتقان الشعبي الذي يغلي تحت السطح في انتظار لحظة الانفجار.
هيكلية “المشرف”: كيف يتحول الولاء إلى رخصة لممارسة الجريمة؟
تستند هيكلية الميليشيا الحوثية إلى منح ولاءات مطلقة لـ “المشرفين”، الذين يتم اختيارهم بعناية فائقة بناءً على مدى استعدادهم للبطش وتنفيذ الأجندات التي تخدم الميليشيا.
حيث يمنح هذا الولاء “المشرف” رخصة غير مكتوبة لارتكاب كافة أنواع الجرائم الجنائية، بدءًا من جرائم الاعتداءات الجنسية التي استهدفت الأطفال في معسكرات التجنيد والسجون السرية، وصولاً إلى جرائم النهب المنظم للأراضي والممتلكات الخاصة تحت مسميات قانونية زائفة.
هذا النفوذ المطلق للمشرفين خلق بيئة عمل مشوهة، حيث يجد المواطن اليمني نفسه أعزلاً أمام “قانون الغابة” الذي يفرضه هؤلاء، فلا يمكن لأي جهاز شرطي أو قضائي أن يحرك ساكنًا ضد أي انتهاك يرتكبه “مشرف” مهما كان نوعه، بل إن الأجهزة الأمنية نفسها أصبحت في كثير من الأحيان أداة لحماية هؤلاء المجرمين وطمس معالم جرائمهم، مما أدى إلى تغول الجريمة وانتشارها كالنار في الهشيم في غياب تام لأي سلطة رادعة.
الانتهاكات الممنهجة: استغلال الفقر لتدمير الطفولة
لم تتوقف جرائم الميليشيا عند حدود الترهيب السياسي، بل وصلت إلى استهداف الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع، وتحديدًا الأطفال، حيث كشفت التقارير الميدانية والحقوقية عن استغلال الحوثيين لظروف الفقر المدقع، والنزوح، والتشرد التي أفرزتها الحرب، لاستدراج صغار السن إلى معسكرات التجنيد التي تحولت في كثير من الأحيان إلى بؤر للانتهاكات الجنسية المروعة، مما يمثل طعنة غادرة في ظهر القيم الاجتماعية والتربوية التي لطالما اعتز بها المجتمع اليمني.
إن تحويل الأطفال إلى أداة للحرب وضحايا للانتهاكات الأخلاقية يعكس الانحطاط القيمي الذي وصل إليه الفكر الحوثي، حيث لا يرى في الطفل سوى مشروع مقاتل أو سلعة رخيصة يمكن استغلالها لتعزيز بقاء الميليشيا في السلطة، فهذه الجرائم ليست مجرد حوادث فردية يقوم بها عناصر مارقون، بل هي نتاج طبيعي لعقيدة ميليشياوية تضع السلطة فوق كل اعتبار إنساني أو أخلاقي، وتعتبر أن كل ما دون “المشروع الحوثي” مباح للاستباحة.
انهيار المنظومة الأخلاقية والقانونية في مناطق سيطرة الحوثي
أدى غياب الدولة والقانون إلى تآكل سريع في المنظومة الأخلاقية التي كانت تحمي المجتمع اليمني لقرون، حيث برزت ظواهر إجرامية دخيلة لم يألفها اليمنيون من قبل، مثل تعاطي المخدرات المهربة، وانتشار الجرائم الأخلاقية، والتحلل من الروابط الأسرية نتيجة الضغوط الممارسة من قبل عناصر الميليشيا، حيث يشجع الحوثيون هذه الظواهر بشكل غير مباشر من خلال إشاعة الفوضى وتفكيك الروابط الاجتماعية لتسهيل عملية السيطرة والتحكم.
في مقابل ذلك، تواصل الميليشيا فرض رؤيتها الخاصة للعدالة، التي لا تتعدى كونها “عدالة انتقامية” تخدم أطرافها وتغض الطرف عن الجناة الذين ينتمون إلى دائرتها الضيقة، مما أدى إلى تفشي حالة من اليأس لدى الضحايا الذين فقدوا الأمل في الحصول على حقهم عبر الطرق القانونية، وأصبحوا يواجهون خيارين أحلاهما مر: إما الخضوع للابتزاز والانتهاكات، أو مواجهة بطش الميليشيا ومصير مجهول في غياهب السجون السرية.
مستقبل اليمن في مواجهة “ثقافة الانتهاك”
إن الخطر الحقيقي الذي يواجهه اليمن لا يقتصر على الحرب العسكرية، بل يمتد إلى “السرطان الاجتماعي” الذي يغرزه الحوثيون في جسد الوطن عبر جرائمهم الممنهجة، فإعادة بناء اليمن بعد رحيل هذه الميليشيا سيتطلب جهودًا جبارة ليس فقط على المستوى الاقتصادي أو البنية التحتية، بل على مستوى “إعادة تأهيل المجتمع” وترميم القيم الأخلاقية التي دمرتها سنوات حكم “المشرفين”.
وتبقى المسؤولية التاريخية ملقاة على عاتق القوى الحية في اليمن والمجتمع الدولي لفضح هذه الممارسات وتوثيقها بشكل دقيق، فجرائم الحوثيين لن تسقط بالتقادم، وإنصاف ضحايا الانتهاكات يجب أن يكون جزءًا لا يتجزأ من أي عملية سلام مستقبلية، فبناء اليمن الجديد لا يمكن أن ينجح طالما ظل “عقلية المشرف” سائدة وطالما بقيت دماء وأعراض اليمنيين مستباحة من قبل عصابات لا تعترف بحدود أو قيم أو قانون.

