ذات صلة

جمع

بين التطمينات والرقابة.. “غروسي” يضع تفتيش المنشآت النووية الإيرانية على سكة التنفيذ

أعاد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي...

بين “وعود التهدئة” و”أفعال العدوان”.. كيف تحرق إيران مراكب الدبلوماسية؟

لم تكن المحادثات الجارية في سويسرا بين الجانب الأمريكي...

سياسة “تطهير الموانئ”.. كيف تستخدم سلطة البرهان الديموغرافيا لخدمة النفوذ؟

لم تعد بورتسودان مجرد مدينة ساحلية أو مرفأ للصادرات...

حرب الأشباح.. كيف تحمي موسكو صواريخها من “الأعين” الإلكترونية الأوكرانية؟

في ظل التطور المتسارع للحرب الإلكترونية التي تقودها أوكرانيا عبر منظومات متقدمة مثل “ليما”، لم تعد ساحة المعركة مقتصرة على القذائف والمدافع التقليدية، بل انتقلت إلى حيز أعمق بكثير وهو “طيف الترددات” الذي تُدار عبره الحروب الحديثة.

لقد أحدثت هذه المنظومات خرقًا استراتيجيًا في قدرة الأسلحة الروسية على الوصول إلى أهدافها بدقة، مما دفع الخبراء والمحللين العسكريين إلى طرح التساؤل الملح، هل تمتلك موسكو القدرة التقنية على “تطعيم” ترسانتها ضد هذا التضليل؟.

لا شك أن القيادة العسكرية الروسية تدرك جيدًا حجم التهديد الذي تشكله تقنيات “التزييف المكاني” التي تخدع الأنظمة الملاحية للصواريخ والمسيرات، حيث تشير التقارير الميدانية لعام 2026 إلى أن أوكرانيا نجحت في تحييد أعداد ضخمة من الصواريخ عبر حقول تشويش ذكية تُربك أنظمة الملاحة بالأقمار الصناعية، وهو ما جعل الصواريخ تنحرف عن مساراتها لتسقط في مناطق خالية بدلاً من إصابة الأهداف الاستراتيجية.

التحدي الوجودي: كيف تواجه روسيا “شبح” التشويش؟

تحاول روسيا في الوقت الراهن الرد على هذه الهجمات الإلكترونية عبر مسارين تقنيين متوازيين، المسار الأول يتعلق بتحديث أنظمة الملاحة الذاتية التي لا تعتمد كليًا على إشارات الأقمار الصناعية الخارجية، والتي تُعتبر نظريًا أكثر مقاومة للتشويش الخارجي لأنها تستخدم حساسات داخلية لقياس المسار والسرعة والاتجاه بدقة متناهية دون الحاجة لاتصال مستمر مع “جلوناس” أو غيره من الأنظمة الملاحية.

أما المسار الثاني فيتمثل في تطوير تقنيات “القفز الترددي” المعقدة التي تجعل من الصعب على أنظمة التشويش الأوكرانية التعرف على الترددات التي تعمل بها الصواريخ وإغراقها بالضجيج أو المعلومات المضللة، حيث تعكف مراكز الأبحاث العسكرية الروسية على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في عقول الصواريخ لتتمكن من تمييز الإشارات الحقيقية من “الخداع الإلكتروني” الموجه لها في بيئات القتال شديدة التعقيد.

معركة العقول: هل ينجح المهندسون في “تحديث” العقيدة القتالية؟

المعضلة الأساسية التي تواجه الكرملين هي “الزمن”، فبينما تحاول روسيا إدخال تحسينات على إصدارات صواريخها لتصبح أكثر حصانة، يواصل الجانب الأوكراني تحديث خوارزميات التشويش لديهم لمواكبة هذه التغييرات، مما خلق حالة من “السباق التكنولوجي المستمر” حيث لا يدوم السلاح “المحصن” طويلاً قبل أن تظهر ثغرة إلكترونية جديدة تكتشفها أجهزة الحرب الإلكترونية المتطورة.

تفيد المعطيات الاستخباراتية أن الجيش الروسي يعتمد بشكل أكبر على أجهزة التشويش الأرضية الواسعة النطاق مثل “كراسوخا” التي تعمل على كشف وتدمير إشارات الرادار والاتصالات الأوكرانية، وهي استراتيجية تهدف إلى “إغماء” العدو إلكترونيًا قبل إطلاق الصواريخ لتقليل فرص تدخل منظومات مثل “ليما”، لكن هذه الاستراتيجية أثبتت فعاليتها المحدودة أمام الشبكات الأوكرانية الموزعة واللامركزية التي لا تعتمد على مركز تحكم واحد يسهل ضربه.

هل نشهد نهاية عصر الصواريخ بعيدة المدى التقليدية؟

الاستنتاج الذي يبدأ بالتبلور بين مراكز الفكر الاستراتيجي هو أن الصواريخ التقليدية التي تعتمد بشكل كامل على التوجيه بالقمر الصناعي أصبحت “أهدافاً مكشوفة” في الحروب التي تشهد كثافة إلكترونية عالية، ومن هنا قد تضطر الدول التي تعتمد على هذه الترسانات إلى إعادة هيكلة صناعاتها العسكرية للتركيز على الصواريخ “صامتة التوجيه” أو التي تمتلك قدرات معالجة داخلية فائقة تمكنها من اتخاذ قرارات التصحيح ذاتيًا دون الحاجة لبيانات خارجية.

يبدو أن المعركة في 2026 وما بعدها ستكون معركة “خوارزميات”، حيث ستتفوق الدولة التي تمتلك أسرع قدرة على البرمجة وإعادة البرمجة في ساحة المعركة، وروسيا اليوم تجد نفسها أمام خيار واحد وهو الابتكار السريع تحت ضغط النيران، وهو تحدٍ لم يسبق للصناعة العسكرية الروسية أن واجهته بهذه الحدة، خاصة مع دخول الذكاء الاصطناعي كعنصر حاسم في اتخاذ القرارات التكتيكية في أجزاء من الثانية.