ذات صلة

جمع

الشرق الأوسط بين التحولات الكبرى وإعادة رسم التحالفات الإقليمية

يشهد الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها التحولات...

بوتين يُوسع حوافز التجنيد.. إعفاء مقاتلي أوكرانيا الجدد من الديون

أقرت روسيا حزمة جديدة من التسهيلات والدعم الموجه للمجندين...

إيران تُواجه شبح العطش.. تحذيرات رسمية من أزمة مياه تضرب المدن الكبرى

دخلت أزمة المياه في إيران مرحلة أكثر خطورة، بعدما...

صراع الإرادات.. كيف ترد موسكو على خرق أمنها القومي في البحر الأسود؟

في تصعيد نوعي يعيد رسم ملامح المواجهة الممتدة بين...

نزيف الكفاءات الطبية.. كيف يدفع “عنف المستشفيات” أطباء تونس نحو الهجرة؟

في مشهد يثير القلق العميق حول مستقبل المنظومة الصحية...

اقتصاد “الغنيمة” في العراق.. كيف حوّلت الميليشيات السلاح إلى إمبراطوريات مالية؟

يُواجه العراق منذ سنوات تحولًا خطيرًا في بنيته الاقتصادية والسياسية، حيث انتقل من مفهوم الدولة التي ترعى مواطنيها إلى نموذج “اقتصاد الغنيمة”، وهو النظام الذي أصبحت فيه موارد الدولة ومشاريعها العامة مجرد فريسة تتنازعها قوى النفوذ المسلح.

حيث لم يعد السلاح في هذه المعادلة وسيلة للدفاع عن الوطن، بل تحول إلى أداة لفرض الهيمنة الاقتصادية، وابتزاز المؤسسات، والسيطرة على مقدرات البلد النفطية والمالية، وبينما تقف الأغلبية من الشعب العراقي في مواجهة يومية مع أزمات السكن، والبطالة، وتدهور الخدمات العامة، تبرز طبقة طفيلية صاعدة استطاعت خلال فترة وجيزة تكوين إمبراطوريات مالية ضخمة لا تستند إلى إنتاج أو تنمية، بل إلى قوة السلاح والارتباط المباشر بمراكز صنع القرار في مكاتب الأحزاب والكتل السياسية، مما خلق فجوة اجتماعية وطبقية لا تزداد إلا اتساعاً في ظل غياب أي خطط حقيقية لفرض سيادة القانون.

إن هذا التغول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج طبيعي لبيئة سياسية هشة تعاملت مع موارد الدولة كغنيمة تقسم بين قوى النفوذ، حيث أصبحت المقاولات العامة، وتراخيص الاستثمار، والتعاقدات النفطية، تذهب غالبًا لشركات واجهة تتبع في جوهرها فصائل مسلحة، مما أفقد الدولة قدرتها على المنافسة العادلة، وجعل من السوق العراقي ساحة للمحتكرين الذين لا يخضعون لأي رقابة.

فالعلاقة بين السلاح والمال أصبحت علاقة تكاملية، حيث يحمي السلاح المال، ويقوم المال بتمويل السلاح وشراء الولاءات، مما خلق حالة من الاستعصاء السياسي والاقتصادي تمنع أي فرصة للإصلاح، وتجعل من اقتصاد البلاد رهينة لأجندات لا تؤمن بمبدأ المواطنة أو الدولة المؤسساتية، بل تسعى فقط إلى تعظيم ثرواتها بعيدًا عن أعين القضاء والمحاسبة.

كيف تحول السلاح إلى أداة للهيمنة على قطاع المقاولات؟

تعتبر المكاتب الاقتصادية التابعة للأحزاب والكتل المسلحة المحرك الرئيسي وراء هذا الاقتصاد المشوه، فهي التي تسيطر على مفاصل الدولة، وتحدد من يفوز بالمشاريع الخدمية الكبرى، ومن يُقصى منها.

حيث أصبحت المشاريع الحكومية، من بناء المدارس والمستشفيات إلى تطوير شبكات الكهرباء والطرق، تُمنح لشركات تفتقر للخبرة والمواصفات الفنية، لكنها تمتلك “الغطاء المسلح” الذي يضمن لها عدم المساءلة عند تعثر المشاريع أو سرقة مخصصاتها.

وقد أدى ذلك إلى ظاهرة المشاريع المتلكئة التي تملأ شوارع المدن العراقية، فالمواطن الذي يرى الجسور والمدارس التي توقف العمل بها يدرك تمامًا أن هذه الأموال قد تلاشت في جيوب المافيات التي تتستر خلف عناوين براقة للعمل الاستثماري، بينما يظل الغزيّ العراقي البسيط هو المتضرر الأكبر من هذا النهب المنظم الذي أفرغ خزينة الدولة من إمكانية تقديم أي خدمة حقيقية.

هذه السيطرة لم تتوقف عند حدود المقاولات، بل امتدت لتشمل قطاعات تجارية ومصرفية، حيث يتم غسيل الأموال الناتجة عن عمليات تهريب النفط أو الاستيلاء على الأراضي العامة، عبر شبكة معقدة من المصارف الأهلية وشركات الصيرفة التي تديرها شخصيات مرتبطة بالمليشيات، مما يجعل من الصعب تتبع هذه الأموال أو إعادة دمجها في الاقتصاد الرسمي، وتجد المؤسسات الرقابية نفسها عاجزة تمامًا عن اتخاذ أي خطوة ضد هذه الكيانات، ليس فقط بسبب ضعف الإمكانات، بل لأن أصحاب هذه المصارف والشركات يمتلكون قوة ضاربة تجعلهم فوق القانون، مما يحول الاقتصاد العراقي إلى ساحة مفتوحة لغسيل الأموال وتهريب العملة الصعبة، وهو ما يفسر الانهيارات المتكررة في سعر صرف العملة الوطنية، وتضخم الأسعار الذي ينهش رواتب الفقراء وذوي الدخل المحدود.

الصعود الطفيلي: غياب الدولة وانتعاش المافيات

في توصيف دقيق للواقع الاقتصادي العراقي، يمكن الحديث عن “طبقة طفيلية” نمت وترعرعت في كنف الفساد، وهي فئات لم تقدم أي قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، بل استغلت علاقاتها مع القوى النافذة للسيطرة على الأراضي العامة وتحويلها إلى مجمعات سكنية تبيعها بأسعار خيالية، أو الاستحواذ على القروض المصرفية الضخمة من البنوك الحكومية دون أي ضمانات حقيقية، هذه الطبقة لا تندرج تحت التوصيف الطبقي الكلاسيكي الذي نعرفه، بل هي نتاج “اقتصاد الغنيمة” الذي يرى في الدولة بقرة حلوباً يجب استنزافها حتى آخر قطرة، وبينما يمتلك هؤلاء سيارات فارهة من أحدث الطرازات، ويقيمون في مجمعات سكنية توحي بمظاهر الترف، تعاني الأحياء الشعبية من نقص حاد في مياه الشرب، وانقطاع مستمر في التيار الكهربائي، مما يعكس بوضوح الفجوة بين من ينهب ومن يعاني.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه العراق اليوم هو كيفية استعادة الاقتصاد من هذه المافيات التي تسللت إلى كل مفصل من مفاصل الدولة، فالتغيير الاقتصادي الحقيقي لا يمكن أن يحدث بدون كسر احتكار المليشيات للموارد العامة، وهذا يتطلب إرادة سياسية حقيقية تضع مصلحة المواطن فوق مصلحة الجماعات المسلحة، وهو أمر يبدو بعيد المنال في ظل النظام السياسي القائم على المحاصصة والولاءات الضيقة.

فالمعركة من أجل اقتصاد عراقي حر ومستقل هي معركة وجود، لأن الدولة التي لا تملك قرارها الاقتصادي ولا تسيطر على مواردها لا يمكن أن تُعتبر دولة ذات سيادة في مفهوم العلاقات الدولية، وهي بالتأكيد لن تستطيع تلبية طموحات شبابها الذين خرجوا يطالبون بالعدالة الاجتماعية والفرص المتكافئة، ليجدوا أنفسهم أمام جدار صلب من الفساد المسلح الذي يرفض التخلي عن امتيازاته.

إن استمرار هذا الاقتصاد الغنائمي يعني مزيدًا من تآكل الدولة، ومزيدًا من النزيف البشري والمالي الذي يشهده العراق كل يوم، حيث تضيع الفرص في مشاريع وهمية، وتتبدد الثروات في صفقات مشبوهة، بينما يظل الوطن حبيس أزمات لا تنتهي.

فالمستقبل الذي ينتظر العراقيين لا يمكن أن يبنى على أنقاض القانون، وإنما يحتاج إلى وقفة وطنية تعيد ترتيب الأولويات، وتبدأ بتفكيك شبكات النفوذ التي حولت الدولة إلى مجرد واجهة لشركات ومكاتب اقتصادية تابعة للفصائل.

فالعراق بثرائه البشري والمادي يستحق أفضل من هذا الواقع البائس، ويستحق دولة تحمي مالها العام، وتستثمر في طاقاتها الشابة، وتوفر حياة كريمة لكل مواطنيها، بدلًا من تركهم ضحية لنهب “اقتصاد الغنيمة” الذي لا ينتج سوى الفقر، والدمار، والضياع.