ذات صلة

جمع

تداعيات أزمة السيولة على الأمن الغذائي.. كيف يواجه الليبيون غلاء الأسعار القياسي؟

تواجه الدولة الليبية حزمة من الأزمات المركبة التي تداخلت...

من طوابير المدافع إلى طوابير الخبز.. حكاية “القتل الصامت” في سوريا

في الوقت الذي تتحدث فيه التقارير السياسية عن "بوادر...

عيد ميلاد عادل إمام الـ86.. رحلة الزعيم مع النجومية والضحك

يحتفل الفنان عادل إمام بعيد ميلاده السادس والثمانين، بعدما...

تباين أسعار العملات الأجنبية أمام الجنيه المصري في تعاملات الأحد 17 مايو 2026

سجلت أسعار العملات الأجنبية والعربية أمام الجنيه المصري تغيرات...

تصعيد أميركي إسرائيلي ضد إيران.. أسبوع حاسم يرفع احتمالات المواجهة

دخلت الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر توترًا،...

تداعيات أزمة السيولة على الأمن الغذائي.. كيف يواجه الليبيون غلاء الأسعار القياسي؟

تواجه الدولة الليبية حزمة من الأزمات المركبة التي تداخلت فيها السياسة بالاقتصاد، حيث أدى الانقسام الإداري الطويل وتذبذب إنتاج النفط إلى خلق فجوة تمويلية هائلة أثرت بشكل مباشر على حياة المواطن اليومية.

وتعتبر أزمة السيولة النقدية هي “العدو الأول” للأسرة الليبية، حيث فشلت الحلول الجزئية السابقة في إنهاء ظاهرة الطوابير أمام المصارف، مما دفع المصرف المركزي إلى تبني استراتيجية هجومية تعتمد على وفرة العرض لضرب السوق الموازية في مقتل.

إن المعاناة لم تتوقف عند حدود نقص “الكاش”، بل امتدت لتشمل تآكل القوة الشرائية للدينار الليبي، مما جعل تأمين الاحتياجات الأساسية من غذاء ودواء رحلة شاقة للمواطن الذي بات يراقب أسعار الصرف أكثر من مراقبته لنشرات الأخبار السياسية.

تحركات “المركزي” الاستباقية.. مليار دولار إضافي لكسر احتكار العملة

وكشفت التحركات الأخيرة لمصرف ليبيا المركزي عن ضخ مبالغ ضخمة من النقد الأجنبي تجاوزت 2.1 مليار دولار خلال شهر مايو وحده، في خطوة تهدف إلى تلبية الطلب المتزايد وتغطية الاعتمادات المستندية المتراكمة لدى المصارف التجارية.

وقرر المركزي تخصيص مليار دولار إضافي لضمان عدم انقطاع عمليات البيع، خاصة مع وجود توقعات بنمو قياسي في الإيرادات النفطية لتتجاوز 3.3 مليار دولار، مما يمنح السلطة النقدية هامشًا أوسع للمناورة وضبط إيقاع السوق المضطرب، هذه السياسة تهدف بالأساس إلى سحب البساط من تحت أقدام تجار السوق السوداء، الذين استغلوا لسنوات حالة “العطش النقدي” لتحقيق أرباح فاحشة على حساب مدخرات الأسر الليبية التي أرهقها التضخم المستورد نتيجة ارتفاع تكاليف الاستيراد.

خطة النقل الجوي والبري.. إنهاء “التمييز الجغرافي” في توزيع السيولة

وأدرك المصرف المركزي، أن أزمة السيولة ليست رقمية فحسب بل هي لوجستية بامتياز، لذا أطلق خطة “النقل الجوي والبري” لتزويد فروع المصارف التجارية في المناطق البعيدة والنائية باحتياجاتها من العملة الصعبة والنقد المحلي قبل نفاذ المخزون.

وتهدف هذه الخطوة إلى ضمان وصول الخدمات المصرفية لجميع الليبيين بالتساوي، ومنع تكدس المواطنين في المدن الكبرى طلباً للسيولة، مما يساهم في تخفيف الضغط الاجتماعي والنفسي الذي عانت منه الأسر في الجنوب والمناطق الجبلية، وإن تأمين تدفق العملة بانتظام نحو الفروع الطرفية يعتبر صمام أمان لمنع حدوث هزات اجتماعية ناتجة عن فقدان الثقة في النظام المصرفي، وهو ما يسعى المركزي لترميم جدرانه عبر آليات توزيع أكثر عدالة وشفافية خلال العام الجاري.

دولار المسافرين والآلية الجديدة.. تضييق الخناق على “التحويلات الوهمية”

وفي إطار مواجهة الأزمات النقدية، تم الكشف عن آلية جديدة لصرف مبالغ تتراوح بين 500 و1000 دولار للمسافرين مباشرة في المطارات، شريطة تقديم ما يثبت السفر الفعلي مثل بطاقة صعود الطائرة وتذكرة السفر المؤكدة.

وتستهدف هذه الخطوة منع استغلال مخصصات الأغراض الشخصية من قبل شبكات تهريب العملة التي كانت تعتمد على مستندات وهمية للحصول على الدولار بالسعر الرسمي وبيعه في السوق السوداء، مما كان يتسبب في نزيف حاد للاحتياطيات، وإن ربط الحصول على النقد الأجنبي بالاستخدام الفعلي والضروري يقلل من الضغط غير المبرر على ميزانية النقد الأجنبي، ويضمن توجيه الدولار نحو الاحتياجات الحقيقية للمواطنين سواء للعلاج أو الدراسة أو السفر الضروري، بعيداً عن مضاربات تجار الأزمات.

رهان استقرار الصرف.. هل تنخفض أسعار السلع في الأسواق الليبية؟

ويرى الخبراء الاقتصاديون، أن استدامة تحركات المركزي تعتمد بشكل كلي على استقرار سعر الصرف عند مستويات محددة (مثل 6.37 دينار) لفترة زمنية كافية، لإقناع التجار والمستوردين بأن موجة التقلبات العنيفة قد انتهت بالفعل، و إن انعكاس وفرة السيولة الأجنبية على أسعار السلع في المحلات التجارية يحتاج إلى “عنصر الثقة”، فالمواطن الليبي لن يشعر بالتحسن الحقيقي إلا عندما يرى تراجعًا ملموسًا في فواتير الشراء اليومية التي التهمت دخله المحدود طوال سنوات الصراع.

ويظل التحدي الأكبر أمام المصرف المركزي هو التنسيق مع السلطة التنفيذية لضبط الإنفاق العام وتوحيده، لضمان عدم تبخر هذه المليارات في قنوات استهلاك غير منتجة، وتحويل الطفرة النفطية الحالية إلى ركيزة لاستقرار اقتصادي دائم ينهي معاناة الليبيين.

إن الأسر الليبية التي تحملت تبعات الحروب والانسداد السياسي تستحق اليوم سياسات نقدية تحمي مدخراتها وتوفر لها سبل العيش الكريم، بعيدًا عن الابتزاز الذي مارسته السوق الموازية التي اقتاتت على أوجاع المواطنين واحتياجاتهم الأساسية.

ويبقى نجاح هذه الجهود رهنًا باستمرار تدفق النفط وعدم استخدامه كأداة للضغط السياسي، مع ضرورة تفعيل الرقابة المصرفية الصارمة لضمان وصول كل دولار يتم ضخه إلى مكانه الصحيح في خدمة الاقتصاد الوطني والأسرة الليبية المكلومة.