ذات صلة

جمع

تداعيات أزمة السيولة على الأمن الغذائي.. كيف يواجه الليبيون غلاء الأسعار القياسي؟

تواجه الدولة الليبية حزمة من الأزمات المركبة التي تداخلت...

من طوابير المدافع إلى طوابير الخبز.. حكاية “القتل الصامت” في سوريا

في الوقت الذي تتحدث فيه التقارير السياسية عن "بوادر...

عيد ميلاد عادل إمام الـ86.. رحلة الزعيم مع النجومية والضحك

يحتفل الفنان عادل إمام بعيد ميلاده السادس والثمانين، بعدما...

تباين أسعار العملات الأجنبية أمام الجنيه المصري في تعاملات الأحد 17 مايو 2026

سجلت أسعار العملات الأجنبية والعربية أمام الجنيه المصري تغيرات...

تصعيد أميركي إسرائيلي ضد إيران.. أسبوع حاسم يرفع احتمالات المواجهة

دخلت الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر توترًا،...

إرث الدم في تونس.. القضاء ينبش دفاتر الإخوان السوداء بعد عقد من التستر

لم يعد الحديث عن “الجهاز السري” لحركة النهضة في تونس مجرد اتهامات سياسية تتقاذفها الأطراف المتصارعة، بل تحول اليوم إلى واقع قانوني مرير تدعمه أحكام قضائية زلزلت أركان التنظيم الدولي للإخوان في شمال أفريقيا.

فبينما كان التنظيم يحاول تسويق نفسه كقوة سياسية مدنية، كانت “خلايا الرصد والاستقطاب” تعمل في الخفاء لزراعة الموت في شوارع تونس، مستهدفة تصفية القضاة الذين رفضوا الانصياع، والإعلاميين الذين فضحوا مخططاتهم، والسياسيين الذين وقفوا سدًا منيعًا أمام مشروع “التمكين”.

إن الأحكام الصادرة مؤخرًا، والتي وصلت إلى السجن لمدة 38 عامًا بحق قيادات ورجال أعمال مرتبطين بالنهضة، ليست إلا قمة جبل الجليد في ملف ضخم ينبش سنوات من الانتهاكات والتجاوزات التي كادت أن تعصف بالدولة التونسية ومؤسساتها الوطنية.

فتحي دمق وسقوط إمبراطورية “البيزنس الإرهابي”

قضت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس بحكم تاريخي بالسجن 38 عامًا بحق رجل الأعمال الإخواني فتحي دمق، المتهم الرئيسي فيما يعرف بملف “خلية الرصد والتخطيط”.

هذا الحكم لم يكن مجرد عقوبة جنائية، بل كان كشفًا علنيًا للدور الذي لعبه المال السياسي في تمويل العمليات القذرة، حيث تحول دمق من رجل أعمال إلى منسق لصفقات سلاح مشبوهة تهدف لاختطاف وتصفية شخصيات وطنية بارزة.

وتؤكد وثائق القضية، أن هذه الخلية لم تكن تعمل بشكل عشوائي، بل كانت تتحرك وفق تعليمات دقيقة تستهدف ضرب ركائز الدولة التونسية، عبر استهداف القضاة والسياسيين الذين يشكلون حائط الصد الأول ضد التغلغل الإخواني في مفاصل الحكم.

اختراق المخابرات وتأسيس “الأمن الموازي”

واحدة من أخطر المفاجآت التي فجرها القضاء التونسي كانت تورط قيادات أمنية في إدارة الاستعلامات (المخابرات)، مثل قيس بكار، الذي صدر بحقه حكم بالسجن لسنوات طويلة نتيجة تورطه مع خلايا الإخوان السرية.

هذا الاختراق الخطير لأجهزة الدولة يكشف عن استراتيجية “التمكين” التي اتبعها الإخوان، حيث سعوا لتأسيس “أمن موازي” يعمل لصالح التنظيم وليس لصالح الوطن، ويوفر المعلومات اللوجستية اللازمة لتنفيذ عمليات الاغتيال والاختطاف.

إن تورط أعضاء من مكتب حركة النهضة بمحافظة بن عروس، مثل بلحسن النقاش وعلي الفرشيشي، يثبت أن الجناح السياسي للإخوان كان على صلة عضوية مباشرة بالخلايا الإرهابية التي تولت مهام الرصد والاستقطاب الميداني.

فيديو “نواة”.. الوثيقة التي فضحت صفقات السلاح

يعود أصل كشف هذه المخططات إلى ديسمبر 2013، حين تم تسريب فيديو مصور يدور فيه حديث بين فتحي دمق وأعضاء من التنظيم حول تفاصيل صفقة سلاح كبرى تهدف لتنفيذ سلسلة من الاغتيالات وعمليات الاختطاف الممنهجة.

المحادثة الصادمة لم تترك مجالاً للشك، حيث تمت مناقشة تصفية وجوه من عالم المال والأعمال والسياسة، وكان على رأس القائمة الشهيد شكري بلعيد، الذي اغتيل بالفعل لاحقًا في عملية غادرة هزت كيان المجتمع التونسي.

هذا التسجيل كان بمثابة “الصندوق الأسود” الذي فضح كيف يخطط الإخوان لإزالة خصومهم من الطريق، وكيف يستخدمون السلاح كأداة سياسية لفرض واقع جديد يخدم أجندة المرشد في تونس والمنطقة.

الرؤوس الكبيرة في قفص الاتهام.. الغنوشي والعريض

لم تتوقف هيئة الدفاع عن شكري بلعيد عند ملاحقة المنفذين فقط، بل وجهت اتهامات مباشرة للجهاز السري للإخوان وعلى رأسه راشد الغنوشي، ووزير الداخلية ورئيس الحكومة الأسبق علي العريض.

وتشير الاتهامات إلى أن الأوامر بتنفيذ عمليات الاغتيال السياسي لم تكن اجتهادات فردية من الخلايا الميدانية، بل كانت قرارات سيادية اتخذت داخل الغرف المغلقة لقيادة النهضة لتصفية المعارضين الأكثر تأثيراً في الشارع.

إن ربط الجهاز السري بالقيادات العليا للتنظيم يفسر حالة الاستماتة التي أبداها الإخوان لسنوات طويلة من أجل تعطيل مسار القضاء وإخفاء ملفات الاغتيالات، خوفًا من لحظة الحقيقة التي يواجهونها اليوم أمام المحاكم التونسية.

تفكيك ملفات الاغتيال.. من التنفيذ إلى الجهاز السري

تنقسم قضية الاغتيالات السياسية في تونس إلى عدة ملفات معقدة، تبدأ من “مجموعة التنفيذ” التي باشرت القتل، وصولاً إلى “مجموعة الرصد والاستقطاب”، ثم الملف الأكبر والأخطر وهو “الجهاز السري”.

هذا التدرج في كشف الحقائق سمح للقضاء التونسي ببناء صورة كاملة عن كيفية إدارة الإرهاب من قبل الجماعة، حيث يتم رصد الضحية، ثم تأمين السلاح عبر رجال أعمال موالين، ثم إعطاء الضوء الأخضر للتنفيذ من القيادة السياسية.

إن استهداف القضاة تحديدًا كان يهدف إلى ترهيب العدالة وضمان عدم فتح هذه الملفات، ولكن إصرار القضاء التونسي في عام 2026 على نبش هذه القبور الفكرية أدى إلى تساقط أوراق التوت عن عورة التنظيم الدولي.

نهاية حقبة “الإسلام السياسي” الملطخ بالدماء

تمثل الأحكام القضائية المشددة الصادرة مؤخرًا نهاية فعلية لمشروع الإخوان في تونس، حيث تحولت الحركة من “شريك في الحكم” إلى “منظمة ملاحقة قضائيًا” بتهم تتعلق بالإرهاب والقتل والتآمر على أمن الدولة.

إن وعي الشعب التونسي بخطورة هذا التنظيم كان المحرك الأساسي لدعم مسار المحاسبة، بعد أن تأكد للجميع أن الوعود الديمقراطية التي أطلقها الإخوان لم تكن سوى غطاء لعمليات تصفية دموية استهدفت نخبة البلاد.

ومع استمرار التحقيقات في “الجهاز السري”، يتوقع المراقبون صدور أحكام إضافية قد تضع القيادات التاريخية للنهضة وراء القضبان لعقود طويلة، مما يطوي صفحة سوداء من تاريخ تونس الحديث شهدت محاولات اختطاف الدولة لصالح التنظيم.

ويثبت القضاء التونسي يومًا بعد يوم أنه لن يترك دماء الشهداء تذهب سدى، وأن صفقات السلاح السرية ومخططات الاختطاف التي حاكها الإخوان لن تمر دون عقاب رادع يعيد الحق لأصحابه.

وإن تفكيك خلايا الرصد والاستقطاب هو خطوة أولى نحو تطهير تونس من فكر الإرهاب، وضمان عدم عودة التنظيمات السرية للعبث بمقدرات الوطن أو ترهيب الوجوه الوطنية التي تذود عن حرية الكلمة واستقلال القضاء، وستبقى هذه المحاكمات درسًا تاريخيًا لكل من يحاول توظيف الدين في السياسة لتبرير القتل، وتأكيدًا على أن الدولة الوطنية في تونس أقوى من كل التنظيمات العابرة للحدود التي لا تؤمن إلا بلغة الدم والإقصاء.