ذات صلة

جمع

زيف شعارات “المقاومة”.. كيف استباح سلاح حزب الله سيادة لبنان وأمن اللبنانيين؟

بينما يغرق لبنان في أزمات اقتصادية واجتماعية طاحنة تعصف بمستقبل أجياله، يبرز ” حزب الله ” كدولة داخل الدولة، متمسكًا بسلاح غير شرعي يوجهه نحو صدور اللبنانيين تارة، ونحو استقرار الدول العربية تارة أخرى، تحت لافتة “المقاومة” التي باتت مجرد قناع زائف لإخفاء وجه تنظيمي يعمل كذراع عسكري متقدم لفيلق القدس الإيراني.

إن المشهد اللبناني اليوم يعكس مأساة حقيقية، حيث تحولت بيروت من منارة للثقافة والحرية إلى ساحة خلفية لتنفيذ أجندات الحرس الثوري الإيراني، وسط قبضة حديدية يفرضها الحزب على مفاصل القرار السياسي والأمني، مستغلاً شعارات دينية وعسكرية لتبرير ارتهانه الكامل للخارج.

إن الخطورة لا تكمن فقط في ترسانة السلاح التي يمتلكها الحزب، بل في العقيدة التي تحركه، والتي تضع ولاءها لـ “الولي الفقيه” فوق الولاء للدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية، مما جعل من لبنان ساحة مفتوحة لتصفيات الحسابات الإقليمية والدولية.

ومع كل أزمة جديدة، يثبت حزب الله أنه ليس حزبًا سياسيًا لبنانيًا بالمعنى التقليدي، بل هو “فصيل عسكري أجنبي” بتمويل وتسليح إيراني، يقتات على إضعاف الجيش اللبناني وتهميش الأجهزة الأمنية الرسمية، ليخلق فراغًا سياديًا يسمح له بالتحكم في المعابر والموانئ والمطارات، وتمرير شحنات الموت والخراب بعيدًا عن رقابة الدولة، مما يضع مستقبل لبنان على كف عفريت في ظل تصاعد الغضب الشعبي والدولي من هذه الممارسات التي عزلت لبنان عن محيطه الطبيعي.

وهم المقاومة وفخ التبعية

اعتمد حزب الله منذ نشأته على سردية “المقاومة” كصك غفران يمنحه الحق في الاحتفاظ بسلاحه خارج إطار الدولة، إلا أن التحولات الميدانية والسياسية خلال العقدين الأخيرين كشفت أن هذا السلاح لم يعد موجهًا نحو عدو خارجي بقدر ما أصبح أداة للترهيب الداخلي وفرض المعادلات السياسية بقوة الأمر الواقع.

لقد استخدم الحزب شعار المقاومة لتبرير تدخله العسكري في النزاعات الإقليمية، محولاً الشباب اللبناني إلى وقود لحروب عبثية تخدم المشروع الإمبراطوري الإيراني، وهو ما أدى إلى استنزاف القوى البشرية والاقتصادية للبنان، هذا التوظيف السياسي والعسكري لعنوان “المقاومة” نزع عنها صفتها الوطنية وحولها إلى وسيلة لتعزيز نفوذ الحرس الثوري وتثبيت أقدامه في شرق المتوسط، مما جعل لبنان يدفع فاتورة باهظة من استقراره وعلاقاته الدولية.

إن الهيمنة العسكرية للحزب أدت إلى شلل تام في الحياة السياسية اللبنانية، حيث بات “الفيتو” الذي يفرضه الحزب هو المحرك الأساسي لتشكيل الحكومات واختيار الرؤساء، مما أدى إلى تعطيل الإصلاحات الضرورية التي يطالب بها المجتمع الدولي والشارع اللبناني.

هذا الارتهان للقرار الإيراني جعل من الدولة اللبنانية هيكلاً صوريًا بلا سيادة حقيقية، حيث يقرر الحزب منفرداً السلم والحرب دون الرجوع إلى مؤسسات الدولة، مما يضع ملايين اللبنانيين في مواجهة مباشرة مع خطر الدمار الشامل في كل مرة يقرر فيها الحرس الثوري تحريك جبهة لبنان لتخفيف الضغط عن طهران أو لتحسين شروط تفاوضها الإقليمي، وهو ما يعزز القناعة بأن حزب الله هو العائق الأول والأكبر أمام استعادة الدولة لهيبتها وسيادتها.

جرائم حزب الله العابرة للحدود

لم تقتصر جرائم حزب الله على الداخل اللبناني، بل تحول الحزب إلى “مقاول إرهاب” دولي، حيث يدير شبكات معقدة لتهريب الأسلحة والمخدرات عبر الحدود، مستغلاً سيطرته على المناطق الحدودية والمرافق الحيوية في لبنان.

إن هذه الأنشطة غير المشروعة لا تهدف فقط لتمويل آلة الحرب الخاصة بالحزب في ظل العقوبات الدولية على إيران، بل تعمل كأداة لزعزعة استقرار الدول العربية وتقويض أمنها المجتمعي من خلال إغراقها بالسموم والأسلحة.

وتؤكد تقارير دولية عديدة، أن الحزب بات يشكل العمود الفقري لعمليات “فيلق القدس” في تصدير الفكر المتطرف وتدريب الميليشيات الطائفية في دول أخرى، مما جعل لبنان يُصنف كبيئة حاضنة للنشاطات الإرهابية العابرة للحدود.

وعلاوة على ذلك، يمارس حزب الله سياسة “الاغتيال السياسي” لإزاحة كل صوت وطني يجرؤ على انتقاد هيمنته أو المطالبة بحصر السلاح في يد الجيش اللبناني، وهو ما خلق حالة من الرعب والرقابة الذاتية داخل المجتمع اللبناني.

إن استهداف الشخصيات السياسية والإعلامية والناشطين لم يكن مجرد أحداث عابرة، بل هو جزء من استراتيجية “التطهير الفكري” التي يتبعها الحزب لضمان بقاء لبنان تحت السيطرة الإيرانية المطلقة، هذه الممارسات الإجرامية، المقترنة بالفساد المالي والسيطرة على مقدرات الدولة، أدت إلى انهيار القطاع المصرفي وفقدان الثقة الدولية في الاقتصاد اللبناني، مما جعل الشعب يعاني من الفقر والجوع بينما يستمر قادة الحزب في بناء ترساناتهم العسكرية وتشييد القصور في مناطق نفوذهم بتمويل مباشر من طهران.

مستقبل لبنان تحت مقصلة “الحرس الثوري”

إن استمرار بقاء حزب الله كقوة عسكرية موازية للدولة يضع لبنان في نفق مظلم لا نهاية له، حيث تتصاعد احتمالات الانهيار الشامل للدولة مع كل يوم يمر دون حل جذري لمعضلة السلاح غير الشرعي، وإن المجتمع الدولي يربط دعمه للبنان بضرورة تنفيذ القرارات الدولية، وعلى رأسها القرار 1559 والقرار 1701، اللذان يطالبان بنزع سلاح الميليشيات وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها ومع ذلك، يواصل الحزب تعنته ورفضه لأي حوار وطني جاد يؤدي إلى تسليم سلاحه، معتبرًا أن وجوده العسكري فوق القانون وفوق إرادة الشعب، وهو ما يزيد من حدة العزلة التي يعيشها لبنان ويحرمه من فرص التعاون الاقتصادي والتنموي التي يحتاجها للخروج من أزمته الراهنة.

وفي ظل هذا الواقع المرير، تقع المسؤولية الكبرى على عاتق القوى الوطنية اللبنانية والمجتمع الدولي للضغط من أجل استعادة القرار السيادي وتجفيف منابع تمويل هذا الأخطبوط الذي يتغذى على أزمات الوطن.

إن تحرير لبنان من الهيمنة الإيرانية ومن “فخ المقاومة الزائف” هو الخطوة الأولى والضرورية لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحقيق تطلعات الشعب في العيش بسلام وكرامة وإن زمن التلاعب بالمفاهيم الوطنية لتمرير أجندات خارجية يجب أن ينتهي، ويجب أن يدرك الجميع أن “المقاومة” التي تدمر الوطن وتقتل شعبه وتعزله عن محيطه الطبيعي ليست إلا احتلالاً مقنعًا يجب مواجهته بالوسائل السياسية والقانونية المتاحة لضمان بقاء لبنان وطنًا لجميع أبنائه، وليس مجرد ساحة خلفية لمشاريع “الحرس الثوري” التدميرية.