ذات صلة

جمع

لبنان في حسابات طهران.. ورقة نفوذ تتقدم على طاولة التفاوض الإقليمي

رغم الضغوط الدولية المتزايدة لإبعاد لبنان عن مسارات الصراع...

مقترح مرفوض وتصعيد محسوب.. واشنطن وطهران في اختبار الإرادة السياسية

تشهد العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران منعطفا جديدا، مع...

انهيار المنظومة الصحية.. كيف شرعن البرهان استهداف “الخطوط الحمراء” الدولية؟

بينما كانت جدران المشافي السودانية تئن تحت وطأة الرصاص، خرج قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان باعتذار “ناعم” من خلف منصات الفنادق الفاخرة، واصفاً ممارسات القتل والترويع بحق الأطباء بمجرد “الغلظة”؛ لكن خلف هذه المفردة المخففة، تكمن مأساة إنسانية هزّت أركان المجتمع الدولي، حيث لم تكن المستشفيات مجرد أضرار جانبية في حرب البرهان، بل أصبحت أهدافاً عسكرية “مشرعنة” بقرارات استراتيجية.

وقالت مصادر إن هذا الانهيار المتعمد للمنظومة الصحية لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة مباشرة لسياسة قصف “الخطوط الحمراء” التي حيّدت الحماية الدولية عن المنشآت الطبية، مما جعل الطبيب السوداني يواجه الموت وهو يمسك بمشرطه، والمريض يقضي نحبه تحت أنقاض غرفته. وتشير أحدث تقارير منظمة الصحة العالمية إلى توثيق أكثر من 217 هجوماً على مرافق الرعاية الصحية في السودان منذ اندلاع الحرب، أسفرت عن أكثر من 2052 وفاة و810 إصابات، في مؤشر صادم على حجم الانهيار المنهجي للقطاع الطبي.

اعتذار “الفنادق” المنقوص.. محاولة بائسة لتجميل وجه الانتهاكات

جاء اعتذار البرهان في توقيت مريب وتحت ضغوط دولية مكثفة، لكنه تعمّد الهروب من المسميات القانونية لجرائم الحرب، مكتفياً بوصف ما حدث للكوادر الطبية بـ”التجاوزات” الناجمة عن الغلظة.

وأكدت المصادر أن هذا الاعتراف المنقوص لم يذكر مئات الوقائع الموثقة التي طالت الأطباء بالاختطاف والتعذيب على يد استخبارات الجيش وفصائل “الإخوان” المسلحة؛ بل إن الأخطر من ذلك هو اعتراف البرهان الضمني باستغلال الكوادر الطبية في تقديم “معلومات عسكرية”، وهو ما يعد “شرعنة” علنية لاستهداف الأطباء دولياً ونزع صفة الحياد عنهم.

محرقة الضعين والزُرق.. عندما يغتال الطيران الحربي شريان الحياة

ولا يمكن الحديث عن جرائم البرهان دون التوقف عند المجازر التي ارتكبها الطيران الحربي في إقليم دارفور؛ ففي مستشفى الضعين التعليمي بشرق دارفور، تحولت أروقة العلاج إلى ساحة للموت الزؤام بعد قصف جوي مباشر استهدف الطواقم الطبية والمرضى، مما أدى إلى خروج المستشفى تماماً عن الخدمة وحرمان الآلاف من العلاج.

ولم تكن واقعة مستشفى “الزُرق” في شمال دارفور أقل دموية، حيث سحق القصف المستشفى الوحيد في المنطقة، مخلفاً أكثر من 64 قتيلاً مدنياً بينهم كوادر طبية كانت تحاول تقديم الإسعافات الأولية تحت أزيز الرصاص. وهذه الهجمات لم تكن أخطاءً فنية في التصويب، بل كانت ضربات مركزة تستهدف ضرب الحواضن الاجتماعية وإجبار السكان على النزوح عبر تدمير بنيتهم التحتية الطبية، مما يثبت أن البرهان استخدم “سلاح الصحة” كأداة للضغط العسكري والسياسي، ضارباً بعرض الحائط كافة المواثيق التي تحمي المدنيين. وقد أكدت منظمة الصحة العالمية أن ضربة مستشفى الضعين وحدها أسفرت عن مقتل 64 شخصاً، بينهم مرضى وأطفال وعاملون صحيون، وأخرجت المنشأة من الخدمة بالكامل.

تسييس “البالطو الأبيض”.. استراتيجية البرهان لتوريط الكوادر الصحية

واحدة من أخطر الانتهاكات التي كشف عنها خطاب البرهان نفسه هي محاولة توريط الكوادر الطبية في العمليات الاستخباراتية؛ فإشادته بدور الأطباء في تقديم معلومات ميدانية كشفت عن تداخل “خبيث” بين العمل الإنساني والعمل العسكري. هذا النهج أدى إلى فقدان الثقة في المؤسسات الصحية، وجعل الطبيب السوداني في موقف لا يُحسد عليه، حيث يُنظر إليه من قبل القوى المتصارعة كـ”طرف” في النزاع وليس كمنقذٍ للأرواح.

ووفقاً لتقارير نقابية، فقد قُتل أكثر من 200 كادر طبي بدم بارد منذ اندلاع الحرب، كثير منهم سقطوا نتيجة هذه السياسة التي شرعنت استهدافهم بحجة التعاون الاستخباري، وهو ما أدى إلى هجرة جماعية للعقول الطبية السودانية، تاركين البلاد تواجه مصيرها تحت رحمة الأوبئة والنزيف المستمر دون وجود يدٍ تداوي. كما وثقت منظمة الصحة العالمية مقتل ما لا يقل عن 173 عاملاً صحياً واعتقال 83 آخرين حتى نهاية 2025، في واحدة من أسوأ موجات استنزاف الكوادر الطبية في تاريخ السودان الحديث.

بيانات منظمة الصحة العالمية.. لغة الأرقام تفضح زيف الرواية الرسمية

بينما يصر البرهان على نفي استهداف المؤسسات الصحية، تأتي تقارير منظمة الصحة العالمية لترسم صورة قاتمة ومغايرة تماماً؛ مئات الهجمات الموثقة طالت مرافق الرعاية الصحية، وأسفرت عن سقوط آلاف الضحايا بين قتيل وجريح. هذه البيانات تؤكد أن التدمير لم يكن عشوائياً، بل شمل تدمير مخازن الأدوية، واستهداف سيارات الإسعاف، وقصف محطات الأكسجين، مما أدى إلى شلل كامل في المنظومة الصحية.

إن تدمير مستشفى “الضعين” و”الزُرق” والأسواق الحيوية مثل “سوق غرير” في توقيتات الذروة، يعكس استراتيجية “الأرض المحروقة” التي يتبعها الجيش وفلوله لكسر إرادة المدنيين، وهو ما يضع المنظومة الصحية في السودان في حالة موت سريري قد لا تتعافى منها لعقود قادمة، في وقت يعاني فيه ملايين النازحين من انعدام أبسط مقومات الرعاية الطبية. وتشير التقديرات الدولية إلى أن 37% فقط من المرافق الصحية السودانية ما زالت تعمل، فيما أصبح ثلثا السكان تقريباً محرومين من الخدمات الصحية الأساسية.