في الوقت الذي يبدو فيه المشهد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران متوقفًا عند حدود الاشتباك المباشر، تتصاعد في المقابل حالة من الغموض السياسي حول مآلات المرحلة المقبلة، وسط انشغال العواصم المعنية بتقييم ما إذا كانت المفاوضات الجارية ستقود إلى تسوية مستدامة أم إلى عودة المواجهة في شكل أكثر حدة.
وتتوسع دوائر التحليل لتشمل مستقبل شبكة الحلفاء الإقليميين المرتبطين بطهران، وعلى رأسهم حزب الله في لبنان والحوثيون في اليمن، إلى جانب جماعات مسلحة أخرى تنشط ضمن ما يُعرف بمحور النفوذ الإيراني.
وتدور تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت هذه الأطراف قد تتحول إلى أوراق تفاوضية ضمن أي اتفاق محتمل، أو تُترك لتواجه مساراتها منفردة في حال التوصل إلى تسوية شاملة تنهي الحرب.
وفي موازاة ذلك، تتواصل التقديرات حول حجم الخسائر التي تكبدها حزب الله خلال جولات التصعيد المستمرة مع إسرائيل، في ظل استمرار العمليات العسكرية في جبهات متعددة، حتى مع تجميد المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران.
هدنة عسكرية غير مكتملة.. وحرب تصريحات مفتوحة
ورغم توقف العمليات الصاروخية والجوية بين الجانبين الأمريكي والإيراني، فإن الاشتباك السياسي والإعلامي ما يزال في ذروته.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواصل تبني خطاب تصعيدي يتضمن تهديدات بإمكانية استئناف الضربات العسكرية، في حين ترد طهران عبر الحرس الثوري بأن واشنطن أمام خيارين لا ثالث لهما: القبول بالشروط الإيرانية أو مواجهة مزيد من التعقيد في المشهد الإقليمي.
هذا التباين في الخطاب يتزامن مع استمرار تداعيات الأزمة على أسواق الطاقة العالمية، حيث ما تزال أسعار النفط والتضخم في حالة تذبذب نتيجة المخاوف من اضطراب الإمدادات، خصوصًا عبر الممرات البحرية الحيوية.
مفاوضات غير مباشرة ورسائل متبادلة بلا حسم
ورغم التصعيد الخطابي، تشير المعطيات إلى استمرار قنوات اتصال غير مباشرة بين واشنطن وطهران، تتضمن تبادل مسودات أولية لإطار اتفاق محتمل لإنهاء الحرب.
وتشير بعض التسريبات إلى أن إيران قدمت مقترحًا محدثًا يتضمن تصورًا مرحليًا للمفاوضات، يربط بين التهدئة العسكرية والترتيبات السياسية والاقتصادية.
وبحسب هذه المقترحات، فإن أي تقدم في الملف النووي أو إعادة فتح الممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، سيكون مرتبطًا بإطار زمني محدد للتفاوض، مع اشتراطات متبادلة لوقف الأعمال العسكرية بشكل كامل.
واشنطن بين خيار الدبلوماسية والضغط العسكري
التحركات الأمريكية لا تبدو محصورة في المسار التفاوضي، إذ تتزامن مع اجتماعات عسكرية رفيعة المستوى واستعراض لخيارات ميدانية محتملة، ما يعكس استمرار سياسة “الضغط المزدوج” التي تمزج بين التهديد العسكري والانفتاح المحدود على التفاوض.
وفي المقابل، تعتبر طهران أن هامش المناورة الأمريكية بات أضيق من السابق، في ظل تشابك الملفات الإقليمية وتزايد كلفة أي تصعيد جديد، معتبرة أن واشنطن أمام خيارات محدودة بين تسوية سياسية غير مضمونة أو انزلاق إلى مواجهة أكثر تعقيدًا.
الداخل الإيراني تحت ضغط الاقتصاد وإرهاق الحرب
ورغم الخطاب المتشدد، تشير تقديرات داخلية إلى أن الاقتصاد الإيراني يواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة الحصار والعقوبات وتداعيات الحرب، إلى جانب خسائر مادية وبشرية تتطلب وقتًا طويلًا لإعادة البناء.
ما بعد الحرب.. توازنات جديدة قيد التشكل
في موازاة ذلك، تتواصل التحليلات بشأن حجم الأضرار التي لحقت بطرفي الصراع، سواء إيران أو إسرائيل، في ظل تحطم بعض المسلّمات المتعلقة بقدرة الردع المتبادل، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.

