ذات صلة

جمع

فتاوى الدم وإسقاط الدولة.. سجل الصادق الغرياني في تأجيج الصراعات الليبية

بينما يصارع الليبيون من أجل استعادة دولتهم المنهكة من...

جنوب لبنان تحت القصف.. تصعيد إسرائيلي يُوسّع دائرة الاستهداف

يتواصل التصعيد العسكري في جنوب لبنان بوتيرة متسارعة، مع...

مشروع يتجاوز السلاح.. “القاعدة” تُعيد رسم استراتيجيتها في مالي

تشهد مالي تحولًا متسارعًا في طبيعة التهديدات الأمنية، بعدما...

الوقود يُشعل موجة تضخم عالمية.. والبنوك المركزية أمام أصعب اختبار اقتصادي

يشهد الاقتصاد العالمي مرحلة شديدة الحساسية مع تصاعد أسعار...

خريف الأوهام.. هل يوافق الشعب الأوكراني على مقايضة أراضيه بـ “صفة مراقب”؟

في الوقت الذي كانت فيه كييف تراهن على دعم عسكري وسياسي غير محدود لاستعادة كامل ترابها الوطني، جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، ولكن هذه المرة من قلب معسكر الحلفاء في برلين.

لقد ألقى المستشار الألماني فريدريش ميرتس بحجر ثقيل في مياه الأزمة الراكدة، ملمحًا إلى أن أوكرانيا قد تجد نفسها مضطرة للقبول بواقع جغرافي مرير يتمثل في التخلي عن أجزاء من أراضيها مقابل تأمين مقعد لها في الاتحاد الأوروبي.

هذا التصريح لم يكن مجرد اقتراح سياسي، بل هو إعلان عن دخول الأزمة مرحلة “خريف الأوهام”، حيث تصطدم طموحات زيلينسكي العسكرية بالواقعية السياسية الأوروبية التي بدأت تميل نحو “تجميد الصراع” بدلاً من حسمه.

معادلة ميرتس: الأرض مقابل “تذكرة المرور” إلى بروكسل

لم يكن تلميح فريدريش ميرتس عابرًا، بل جاء ليضع حدًا للأمال العريضة بشأن انضمام سريع لأوكرانيا إلى التكتل الأوروبي. ميرتس ربط صراحة بين اتفاق سلام مستقبلي وبين التنازل عن أراضٍ لم تعد خاضعة لسيطرة كييف، معتبرًا أن الطريق إلى أوروبا يمر عبر “اتفاقات صعبة” قد تجعل أجزاءً من أوكرانيا “غير أوكرانية” من الناحية القانونية أو السياسية.

هذه المقاربة الألمانية تهدف إلى دفع الرئيس فولوديمير زيلينسكي لتسويق فكرة “التنازل المؤلم” لشعبه، عبر إقناعهم بأن التضحية بالأرض هي الثمن الوحيد لفتح أبواب القارة العجوز أمام الأجيال القادمة ولكن، هل يمكن لاستفتاء شعبي في أوكرانيا أن يمرر مثل هذه الصفقة في ظل حالة التعبئة الوطنية المستمرة؟

الواقع يشير إلى أن ميرتس يحاول صياغة مخرج دبلوماسي يحفظ ماء وجه أوروبا ويوقف نزيف الحرب، حتى لو كان ذلك على حساب الخارطة الأوكرانية المعترف بها دوليًا.

وهم التوقيتات: لماذا استبعدت ألمانيا انضمام كييف قبل 2028؟

في الوقت الذي يسعى فيه زيلينسكي لإقناع العالم بأن الأول من يناير 2027 هو الموعد المنطقي لدخول أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، جاء الرد الألماني باردًا كصقيع الشتاء.

ميرتس وصف هذه التوقعات بأنها “غير واقعية”، مشددًا على أن حتى عام 2028 قد يكون طموحًا أكثر من اللازم.

العقبات لا تقتصر فقط على حالة الحرب المستمرة، بل تمتد لتشمل معايير صارمة تتعلق بسيادة القانون، ومكافحة الفساد، والإصلاحات المؤسسية التي لا يمكن إنجازها تحت وابل الصواريخ، هذا “الفيتو” الزمني الألماني يضع كييف في مأزق، فالتنازل عن الأرض الذي يطلبه الحلفاء قد لا يُقابل بعضوية كاملة وفورية، بل بـ “صفة مراقب” في المؤسسات الأوروبية، وهي خطوة تمهيدية يراها البعض مجرد “مخدر سياسي” لتمرير التنازلات الجغرافية دون ضمانات حقيقية للحماية أو الاندماج الكامل.

الميدان المشتعل: زابوريجيا والضربات التي تسرع الحلول الدبلوماسية

بينما تدور رحى المباحثات في الغرف المغلقة، ما يزال الميدان يفرض كلمته بقسوة. الحادث الأخير في محطة زابوريجيا النووية، والذي أسفر عن مقتل أحد الموظفين في هجوم بطائرة مسيرة، يعكس الخطورة الداهمة التي تهدد الأمن النووي للقارة بأكملها، هذه الحوادث المتكررة تُستخدم من قبل أطراف دولية للضغط نحو “وقف إطلاق نار فوري”، وهو ما يخدم الرؤية الداعية للتنازل عن الأرض مقابل الأمن.

تحذيرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومديرها رافائيل غروسي تزيد من وطأة الضغوط على كييف، حيث تصبح سلامة المحطات النووية ذريعة قوية للحلفاء للقول بأن استمرار الحرب لم يعد خيارًا آمنًا.
هنا تتقاطع المصالح الميدانية الروسية مع “الواقعية” الألمانية لفرض واقع جديد يتطلب من أوكرانيا التوقف عن محاولات استعادة المناطق الاستراتيجية بالقوة.

نموذج “الدولة المقسمة”: هل تقبل أوكرانيا بالسيناريو الألماني؟

التاريخ يعيد نفسه بشكل ساخر، فألمانيا التي كانت مقسمة بين شرق وغرب لعقود، هي اليوم من يقترح على أوكرانيا قبول “بقاء أجزاء خارج السيطرة” مقابل العضوية الأوروبية.

هذا السيناريو، الذي قد يُطلق عليه “النموذج الألماني الجديد”، يفترض أن أوكرانيا يمكنها الانضمام للتكتل بجزء من أراضيها، بينما تظل المناطق الأخرى في حالة نزاع مجمد أو تحت سيادة روسية واقعية.

ومع ذلك، تظل المعضلة في “الضمانات الأمنية”؛ فالعضوية في الاتحاد الأوروبي لا توفر حماية عسكرية كالتي يوفرها الناتو، وهو ما يجعل المقايضة التي يقترحها ميرتس “صفقة خاسرة” في نظر الكثير من القوميين الأوكرانيين، وإن قبول زيلينسكي بهذه المعادلة قد يعني نهاية مستقبله السياسي في الداخل، حتى لو ضمن له مكانًا في تاريخ الدبلوماسية الأوروبية كصانع للسلام.