ذات صلة

جمع

خسائر يومية فادحة.. الحصار الأميركي يضغط على الاقتصاد الإيراني

في تصعيد يعكس احتدام المواجهة بين واشنطن وطهران، أعلن...

ليلة كروية مشتعلة.. صدامات نارية في إنجلترا وإسبانيا تشعل سباق الحسم

تتجه أنظار عشاق كرة القدم، مساء الأربعاء، 22 أبريل...

الإعمار المشروط بالسياسة.. كيف ربط المجتمع الدولي بناء غزة بقرار مجلس الأمن 2803؟

كشف تقييم دولي شامل، عن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة...

شحنات الموت.. كيف يبيع البرهان سيادة السودان في سوق المسيرات الإيرانية؟

تتكشف يومًا بعد يوم ملامح الجريمة الكبرى التي يرتكبها...

أقنعة “النهضة” المتساقطة.. كيف سقطت أوهام “الخلافة” والتمكين في تونس؟

تعد التجربة التونسية مع تنظيم الإخوان المسلمين، ممثلاً في “حركة النهضة”، واحدة من أكثر المحطات كشفًا لزيف الشعارات التي ترفعها تيارات الإسلام السياسي، فمنذ عام 2011 وحتى لحظة “الفرز التاريخي” في يوليو 2021، عاشت تونس ما بات يعرف بـ “العشرية السوداء”، وهي الحقبة التي تسللت فيها الحركة إلى مفاصل الدولة تحت عباءة الديمقراطية والتوافق، بينما كانت في الحقيقة تعمل وفق أجندة “التمكين” التي تضع مصلحة التنظيم الدولي فوق سيادة الوطن.

واليوم في عام 2026 ومع تكشف الحقائق ورفع الأقنعة، يظهر جليًا كيف تحولت أوهام “الخلافة” التي بشر بها قادة الحركة إلى كابوس وطني انتهى بسقوط مدوٍ للشعبوية الإخوانية أمام وعي الدولة والمجتمع.

الجهاز السري والاغتيالات السياسية

تمثل قضية “الجهاز السري” لحركة النهضة الجريمة الأبرز التي هزت أركان الثقة في الحياة السياسية التونسية، حيث كشفت التحقيقات والوثائق المسربة عن وجود هيكل موازٍ داخل الحركة يتولى مهام استخباراتية وعملياتية بعيدًا عن أعين القانون، ويُتهم هذا الجهاز بالوقوف خلف ملف الاغتيالات السياسية التي طالت المعارضين “شكري بلعيد” و”محمد البراهمي”، وهي الجرائم التي كانت تهدف إلى ترهيب الخصوم وتثبيت أركان حكم التنظيم عبر التخلص من الأصوات الوطنية المزعجة.

إن تعامل النهضة مع هذه الملفات بمبدأ “المماطلة والتسويف” أثناء وجودها في السلطة لم يزد الشعب التونسي إلا قناعة بأن الحركة ليست حزبًا مدنيًا، بل هي تنظيم عقائدي يستخدم العنف والتصفيات وسيلة للوصول إلى غاياته السياسية.

تدمير الاقتصاد وتحويل الدولة إلى “غنيمة”

لم تكن جرائم النهضة مقتصرة على الجانب الأمني فقط، بل امتدت لتشمل “الإرهاب الاقتصادي” الذي أدى إلى إفلاس خزينة الدولة وتدهور مستوى معيشة التونسيين بشكل غير مسبوق، فخلال سنوات حكمها، اعتمدت الحركة سياسة “الولاء قبل الكفاءة”.

حيث أغرقت الوظائف العمومية بآلاف المنتسبين إليها عبر ما عُرف بـ “التعويضات النضالية”، وهو ما تسبب في تضخم فاتورة الأجور وانهيار الخدمات العامة، وتحولت مؤسسات الدولة في عهد “النهضة” إلى غنيمة يتقاسمها المقربون من دائرة راشد الغنوشي، بينما كانت قروض المساعدات الدولية تتبخر في دهاليز الفساد الممنهج، مما جعل تونس تقف على حافة الإفلاس المالي، وهي الجريمة التي لم يغفرها الشارع التونسي الذي وجد نفسه يغرق في الفقر بينما تضخمت ثروات قادة التنظيم.

اختراق القضاء ومؤسسات السيادة

من أخطر الجرائم التي ارتكبتها حركة النهضة هي محاولة “أخونة” القضاء التونسي وتحويله إلى أداة لحماية قادتها من المحاسبة، فمنذ تعيين وزير العدل التابع للحركة في بدايات الانتقال، بدأت عملية استهداف استقلالية القضاء عبر ترهيب القضاة الشرفاء وتعيين الموالين في المناصب الحساسة لضمان غلق الملفات الشائكة، خاصة تلك المتعلقة بتمويلات الحركة المشبوهة والارتباطات الخارجية.

هذا الاختراق لم يتوقف عند القضاء، بل امتد لمحاولات السيطرة على الأجهزة الأمنية لخلق “أمن موازٍ” يدين بالولاء للمرشد وليس للجمهورية، وهو ما كاد أن يدفع البلاد نحو حرب أهلية لولا يقظة المؤسسة العسكرية والأمنية الوطنية التي انحازت لإرادة الشعب في اللحظات الحاسمة.

تسفير الشباب وبؤر التوتر

لا يمكن الحديث عن جرائم “النهضة” دون التطرق لملف “التسفير” الذي حول تونس في فترة من الفترات إلى أكبر مصدر للمقاتلين نحو بؤر التوتر في سوريا والعراق وليبيا، ففي ظل حكم الترويكا التي تقودها الحركة، فُتحت الأبواب أمام الدعاة المتطرفين.

وغضت السلطات الطرف عن الجمعيات التي تجند الشباب تحت ستار العمل الخيري، إن هذه الجريمة لم تدمر حياة آلاف الأسر التونسية فحسب، بل شوهت سمعة تونس الدولية وربطت اسمها بالإرهاب العابر للحدود، ويؤكد مراقبون أن صمت النهضة عن هذه العمليات لم يكن عفويًا، بل كان يهدف لخلق جيش من “الانكشارية الجدد” الذين يمكن استخدامهم لاحقًا لفرض مشروع “الخلافة” المزعوم في المنطقة العربية.

سقوط المظلومية وبداية الحساب

بحلول عام 2026، سقطت آخر أوراق التوت عن حركة النهضة، وهي ورقة “المظلومية” التي طالما استخدمتها لاستجداء عطف الخارج وابتزاز الداخل، فالتونسيون الذين جربوا حكم الإخوان اكتشفوا أن “الاضطهاد” الذي كان يتحدث عنه الغنوشي لم يكن إلا غطاءً لتعطشه للسلطة.

ومع انطلاق المحاكمات العادلة التي تكشف تورط قيادات الصف الأول في قضايا فساد مالي وتآمر على أمن الدولة، بدأ المشهد السياسي يتطهر من “الفكر الإخواني” الذي حاول غرس بذور الفتنة بين أبناء الوطن الواحد، إن السجون التي يقبع خلف قضبانها اليوم من ظنوا يومًا أنهم “فوق الدولة” هي الدليل القاطع على أن دولة القانون أقوى من تنظيمات الغرف المغلمة.

إن تجربة تونس مع “النهضة” تظل درسًا قاسيًا للأجيال، مفاده أن خلط الدين بالسياسة من قبل تنظيمات دولية لا يؤدي إلا إلى خراب الأوطان وتمزيق النسيج المجتمعي، ومع استمرار مسار التصحيح، تستعيد تونس هويتها المدنية الوسطية، وتطوي صفحة “عصر الأوهام” الذي حاول تحويل تونس من “منارة للعلم والحرية” إلى “ولاية في خلافة” لم توجد إلا في خيال المأجورين، لقد سقطت الأقنعة، وبقيت تونس دولة لكل التونسيين، خالية من براثن التمكين والتبعية.