يمثل تغول الميليشيات والفصائل المسلحة في العراق ولبنان التحدي الأكبر لاستقرار الدولة الوطنية في العقد الحالي، فمنذ سنوات، تحولت هذه الكيانات المسلحة من “قوى موازية” إلى “سلطة مطلقة” تفرض إرادتها على القرار السياسي والأمني، وتتحكم في مفاصل الاقتصاد والسيادة.
وفي عام 2026، بات من الواضح أن الجرائم التي ترتكبها هذه الفصائل تتجاوز مجرد الانتهاكات الميدانية لتصل إلى حد “اختطاف الدولة” بالكامل، حيث يعاني المواطنون في بغداد وبيروت من سطوة سلاح لا يعترف بالقانون، وولاءات عابرة للحدود تضع مصالح المحاور الإقليمية فوق مصلحة الوطن، مما خلق واقعًا مأساويًا يتسم بالفساد الممنهج، والقمع الدموي لكل أصوات الإصلاح.
سلاح الاغتيالات وكم الأفواه
تعد جرائم الاغتيال السياسي والترهيب الجسدي السمة الأبرز لسلوك الفصائل في العراق ولبنان، ففي العراق، استهدفت ميليشيات “السلاح المنفلت” الناشطين في حراك تشرين، ونفذت عمليات تصفية لصحفيين وباحثين سعوا لكشف ملفات الفساد أو التبعية الخارجية، وفي لبنان، ما يزال شبح الاغتيالات يطارد المعارضين لسياسة “الأمر الواقع” التي يفرضها السلاح غير الشرعي.
إن هذه الجرائم لا تهدف فقط للتخلص من الخصوم، بل لزرع الرعب في قلوب المجتمع ومنع أي محاولة لبناء دولة المؤسسات، فالميليشيات تدرك أن وجود “دولة قوية” يعني نهايتها، ولذلك تلجأ للقوة المفرطة لإسكات أي صوت يطالب بحصر السلاح بيد الدولة وحدها.
نهب الثروات واقتصاد الميليشيات الأسود
خلف الشعارات العقائدية، تدير الفصائل في البلدين “إمبراطوريات مالية” ضخمة تعتمد على نهب المال العام والسيطرة على المعابر الحدودية والموانئ، وفي العراق، تسيطر ميليشيات متنفذة على “مكاتب اقتصادية” تفرض إتاوات على المشاريع الحكومية وتتحكم في عقود النفط والتجارة، أما في لبنان.
فقد أدى تحكم الفصائل في المرافئ والمطار وسيطرتها على الاقتصاد الموازي وتهريب السلع المدعومة إلى انهيار العملة الوطنية وإفقار الشعب، إن هذا “الفساد المسلح” هو الجريمة الصامتة التي تقتل الشعوب ببطء، حيث يتم تحويل مقدرات الدولة لتمويل الأنشطة العسكرية وشراء الولاءات، مما يجعل الإصلاح الاقتصادي مستحيلاً في ظل وجود سلاح يحمي الفاسدين.
الانتهاكات الإنسانية وملف المغيبين
تعتبر السجون السرية ومراكز الاحتجاز التابعة للفصائل وصمة عار في ملف حقوق الإنسان، ففي العراق، ما يزال مصير آلاف المغيبين قسريًا من المناطق المحررة مجهولاً، وسط اتهامات لميليشيات طائفية باختطافهم وتصفيتهم دون محاكمات.
وفي لبنان، تمارس الفصائل المسلحة ضغوطًا هائلة على القضاء لمنع التحقيق في جرائم كبرى مثل “انفجار مرفأ بيروت”، وتستخدم نفوذها لتهريب المتهمين من العدالة، إن هذه “الحصانة الميليشياوية” تجعل الضحايا بلا نصير، وتكرس مفهوم الإفلات من العقاب، حيث يصبح قادة الفصائل فوق القانون، ويمارسون شتى أنواع التعذيب والترهيب ضد كل من يعترض طريقهم أو يكشف جرائمهم.
تقويض السيادة والارتهان للخارج
تمثل التبعية الإقليمية لهذه الفصائل، وتحديدًا للحرس الثوري الإيراني، الجريمة الكبرى بحق السيادة الوطنية، فالعراق ولبنان تحولا بفعل هذه الجماعات إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية ومستودعات للصواريخ والمسيرات التي تهدد الأمن الإقليمي والدولي.
إن قرار السلم والحرب لم يعد بيد الحكومة المركزية في بغداد أو بيروت، بل في غرف عمليات تدار من الخارج، هذا الارتهان جعل البلدين عرضة للعقوبات الدولية والعزلة الدبلوماسية، وحرمهما من فرص التنمية والاستثمار، فالعالم لا يمكنه الثقة بدول لا تملك قرارها الأمني، وتُدار سياساتها الخارجية وفق أهواء ميليشيات تضع “الأجندة العابرة للحدود” فوق الدستور والقانون.
تفتيت النسيج الاجتماعي والتحريض الطائفي
تعتاش الفصائل المسلحة على الانقسام الطائفي والمجتمعي، وتعمل بشكل ممنهج على تدمير الهوية الوطنية الجامعة لصالح هويات فرعية ضيقة، إن خطاب “التخوين” الذي تطلقه الميليشيات ضد كل من يطالب بسيادة الدولة، وتحريضها المستمر ضد المكونات الأخرى، خلق حالة من الشقاق الاجتماعي التي تهدد بالسلم الأهلي، فالميليشيات تسعى دائمًا لتمثيل مكوناتها طائفيًا لتبرر وجود سلاحها، بينما هي في الواقع تضطهد أبناء طائفتها قبل الآخرين إذا ما طالبوا بحقوقهم المشروعة، هذا “التجريف الثقافي والاجتماعي” هو أخطر ما تفعله الفصائل، لأنه يزرع بذور النزاعات المستمرة ويمنع بناء مجتمعات ديمقراطية مستقرة.
إن رصد جرائم الفصائل والميليشيات في العراق ولبنان يكشف عن نمط واحد من التدمير الممنهج للكيان الوطني، ومع استمرار الوعي الشعبي والضغط الدولي، يبقى الأمل معلقًا على قدرة القوى الوطنية في استعادة القرار السيادي، ووضع حد لـ “عصر الميليشيات” الذي لم يورث المنطقة إلا الخراب والدموع، لتشرق شمس الدولة من جديد فوق بغداد وبيروت.

