يعيش لبنان واحدة من أخطر لحظات تاريخه المعاصر، حيث يقف المشهد الميداني على حافة الانفجار الشامل الذي يهدد بتحويل العاصمة بيروت والمدن الكبرى إلى نسخة مكررة من مأساة غزة.
ومع تصاعد وتيرة الأعمال العدائية، بدأت المبادرات الدولية، وبخاصة الفرنسية والأمريكية، في سباق محموم مع الزمن لفرض صيغة دبلوماسية توقف نزيف الدماء وتمنع الانهيار الكلي لمؤسسات الدولة.
إن التحدي اليوم يتجاوز مجرد وقف إطلاق النار؛ إنه معركة للحفاظ على ما تبقى من “الكيان اللبناني” وسط موجات نزوح بشرية غير مسبوقة وضغوط عسكرية تزداد ضراوة يومًا بعد يوم.
فاتورة الدم والنزوح.. أرقام صادمة لواقع مرير
تشير تقارير وحدة إدارة مخاطر الكوارث اللبنانية، أن عدد النازحين قد تجاوز عتبة المليون شخص، حيث يكتظ أكثر من 133 ألفًا منهم في 645 مركز إيواء موزعة في مختلف المناطق.
هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة الإنسانية، إذ بات نحو 20% من سكان لبنان نازحين داخليًا، يعانون من نقص حاد في الغذاء والدواء ووسائل التدفئة.
الإحصاءات الرسمية تتحدث عن مقتل أكثر من 1000 شخص وإصابة ما يقارب 3000 آخرين خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة فقط؛ مما يضع القطاع الصحي المنهك أصلاً أمام اختبار مستحيل تحت وطأة الاستهداف المباشر للبنى التحتية والمباني السكنية في الضاحية والجنوب والبقاع.
جيل “الصدمة”: أطفال لبنان يدفعون الثمن الأكبر
في قلب هذه المعركة، يبرز ملف “أطفال الحرب” كأكثر الجروح إيلامًا وخطورة على مستقبل البلاد.
منظمة اليونيسف حذرت في تقاريرها الصادرة مؤخرًا من أن أكثر من 370 ألف طفل لبناني وسوري أجبروا على النزوح، فيما فقد 121 طفلاً حياتهم جراء الغارات منذ بداية مارس.
هؤلاء الأطفال لا يواجهون فقط خطر الموت المباشر، بل يعانون من صدمات نفسية عميقة وانقطاع كلي عن التعليم بعد تحول مئات المدارس إلى مراكز إيواء.
إن نشوء جيل تحت وطأة النزوح المتكرر وصوت الانفجارات يهدد بخلق “جيل مفقود” سيكون من الصعب إعادة دمجه في مجتمع مستقر، حتى في حال توقفت المدافع غدًا.
الدبلوماسية المتعثرة: شروط قاسية ومبادرات تحت النار
على الصعيد السياسي، تبرز المبادرة اللبنانية المدعومة بمساعٍ فرنسية وأمريكية لمحاولة إيجاد “ممر آمن” للمفاوضات، وسط طروحات تتراوح بين تطبيق القرار 1701 بشكل صارم وبين شروط دولية تضع “سلاح حزب الله” كأولوية لأي وقف طويل الأمد للحرب.
ورغم دعوات الرئاسة اللبنانية لمفاوضات مباشرة، إلا أن الواقع الميداني يفرض إيقاعه، حيث تشترط الفصائل المسلحة وقف العدوان قبل الدخول في أي ترتيبات سياسية.
وفي المقابل، تواصل واشنطن وطهران مفاوضات غير مباشرة توصف بأنها “فاصلة بين السلم والحرب الشاملة”، فيما يسعى المجتمع الدولي عبر نداءات الأمم المتحدة لتأمين أكثر من 300 مليون دولار كتمويل طارئ للاستجابة الإنسانية التي ما تزال دون المستوى المطلوب.
هل يبقى الأمل بين ركام الرماد؟
إن تجنيب بيروت مصير غزة يتطلب ما هو أكثر من “بيانات القلق” الدولية؛ إنه يتطلب إرادة سياسية محلية قوية لإنهاء الفراغ الرئاسي وتوحيد القرار السيادي تحت مظلة الجيش اللبناني، الذي يظل المؤسسة الوحيدة التي تحظى بإجماع وطني ودولي.
ومع حلول شهر أبريل، يبدو أن الخيارات تضيق؛ فإما الذهاب نحو “تسوية كبرى” تضمن تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية وإطلاق ورشة إعمار كبرى بتمويل دولي وعربي، أو الاستمرار في استراتيجية “الاستنزاف” التي قد تودي بما تبقى من العمران والإنسان.
إن الأمل ما يزال قائمًا في “شجاعة الشعب اللبناني” وقدرته على الصمود، لكن الوقت لم يعد في مصلحة أحد، وصوت العقل يجب أن يعلو فوق صوت الصواريخ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

