ذات صلة

جمع

الحوثي وإيران.. سجل أسود من نهب المساعدات الإنسانية وتجويع الشعب اليمني

تعد جريمة تجويع الشعب اليمني من قبل ميليشيا الحوثي،...

“حرب المحاكم”.. كيف تحولت الصراعات السياسية إلى أروقة القضاء الليبي؟

دخلت الدولة الليبية نفقًا مظلمًا جديدًا بعد أن انتقلت...

كيف تعرقل الانتهاكات المستمرة مسار التعافي في سوريا؟

أكد التقرير الأممي الأخير الصادر عن لجنة التحقيق الدولية...

جرائم الإخوان والبرهان في السودان.. سجل أسود من القمع والتمكين ينتهي بتصنيف الإرهاب

تمثل جماعة الإخوان في السودان، عبر واجهتها السياسية "الحركة...

كيف تعرقل الانتهاكات المستمرة مسار التعافي في سوريا؟

أكد التقرير الأممي الأخير الصادر عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا في مارس 2026، أن أي محاولة للمضي قدمًا في المرحلة الانتقالية دون أسس متينة من العدالة والإصلاح الأمني ستكون محكومة بالفشل الذريع.

وأوضح التقرير، أن “الثقوب” التي تعتري جدار الانتقال السياسي ناتجة بالأساس عن استمرار أنماط الانتهاكات التي طبعت سنوات الصراع، مما يعرقل مسار التعافي الوطني ويمنع بناء ثقة حقيقية بين المواطن والدولة.

وشدد المحققون الدوليون على أن المجتمع الدولي لن يمنح صك الشرعية أو يساهم في تمويل عمليات إعادة الإعمار الكبرى ما لم تشهد المؤسسات السورية تحولاً جذريًا نحو احترام سيادة القانون، وتفكيك بنية القمع التي تسببت في مأساة ملايين السوريين.

إن هذا التوجه الأممي يضع السلطات القائمة أمام اختبار حقيقي، حيث لم يعد كافياً الحديث عن “صفحة جديدة” دون إجراءات ملموسة تشمل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، والكشف عن مصير المفقودين، ووضع جدول زمني واضح لإصلاح المؤسسات القضائية لضمان استقلاليتها الكاملة عن السلطة التنفيذية.

إصلاح القطاع الأمني كضرورة حتمية لمنع العودة إلى مربع الصراعات

اعتبر التقرير الأممي أن إصلاح القطاع الأمني يمثل العمود الفقري لنجاح أي تسوية سياسية مستدامة في سوريا، محذرًا من أن بقاء الأجهزة الأمنية بصلاحياتها الواسعة ودون رقابة قانونية يمثل التهديد الأكبر للاستقرار المستقبلي.

ودعت اللجنة الدولية إلى ضرورة إعادة هيكلة هذه الأجهزة لتكون مؤسسات وطنية تعمل على حماية أمن المواطن وليس حماية السلطة من المواطنين، مع ضرورة إخضاع كبار القادة للمساءلة عن التجاوزات السابقة، وإن تقرير عام 2026 يبرز بوضوح أن “التعافي الاجتماعي” مرتبط بشعور السوريين بالأمان في منازلهم وفي الشوارع، وهو أمر لا يمكن تحقيقه طالما ظلت “عقلية المداهمات” والاعتقالات التعسفية قائمة.

إن إصلاح هذا القطاع ليس مجرد مطلب تقني، بل هو استحقاق سياسي وأخلاقي يتطلب إرادة حقيقية لتغيير العقيدة الأمنية، بما يضمن دمج كافة القوى المسلحة ضمن إطار قانوني موحد وتحت إشراف مدني فعال، وهو ما سيؤدي بالتبعية إلى تقليص نفوذ المليشيات والقوى غير النظامية التي تقتات على غياب الدولة والقانون.

معايير التعافي الوطني

يرسم التقرير الأممي ملامح “العدالة الانتقالية” كآلية لا غنى عنها لجبر ضرر الضحايا وإعادة اللحمة للنسيج الاجتماعي السوري الممزق، مؤكدًا أن القفز فوق آلام السوريين لن يؤدي إلا إلى صراعات مؤجلة.

وتطرق التقرير إلى أهمية إنشاء لجان وطنية للحقيقة تحت إشراف دولي، تعمل على توثيق كافة الانتهاكات وتحديد المسؤولين عنها، ليس بغرض الانتقام، بل لترسيخ مبدأ “المحاسبة” الذي يمنع تكرار هذه الجرائم في المستقبل.

وأشار المحققون إلى أن التجارب الدولية في النزاعات المماثلة أثبتت أن “السلم العادل” هو الوحيد الذي يصمد أمام الزمن، بينما “السلم المفروض” القائم على تجميد الجرائم ينهار عند أول اختبار حقيقي.

وبناءً عليه، يطالب التقرير بوضع تشريعات وطنية تتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وتضمن للضحايا حقهم في التعويض المعنوي والمادي، مما يساهم في خلق بيئة إيجابية تشجع اللاجئين والمهجرين قسرًا على العودة إلى ديارهم والمشاركة في بناء وطنهم الجديد دون خوف من الملاحقات الأمنية الجائرة.

تأثير الانتهاكات المستمرة على ملف عودة اللاجئين وإعادة الإعمار

ربطت الأمم المتحدة في تقريرها لعام 2026 بين وقف الانتهاكات المنهجية وبين الحل الحقيقي لأزمة اللاجئين السوريين التي استمرت لأكثر من عقد من الزمان.

وأوضح التقرير، أن انعدام الأمن القانوني والمخاوف من الاعتقال التعسفي في مناطق “العودة” يمثلان الحاجز الأكبر أمام الملايين الذين يرغبون في العودة، مما يعمق الأزمة الديموغرافية والاقتصادية في البلاد.

وفي ظل غياب “الإصلاح الأمني” والضمانات القضائية، تظل العودة “مغامرة غير محسوبة العواقب” بالنسبة للكثيرين.

ومن جانب آخر، فإن تدفق رؤوس الأموال لإعادة الإعمار يظل مرهونًا بمدى التزام السلطات بالشفافية والعدالة، حيث يرفض المانحون الدوليون تمويل مشاريع قد تستفيد منها كيانات متورطة في جرائم حرب.

إن “الثقوب” التي أشار إليها التقرير في جدار الانتقال هي في الحقيقة ثقوب في مستقبل الاقتصاد السوري، ولا يمكن سدها إلا عبر تبني رؤية وطنية شاملة تضع كرامة الإنسان وحقوقه فوق أي اعتبار سياسي، لضمان تحول سوريا من ساحة للصراع إلى دولة فاعلة ومستقرة في محيطها الإقليمي والدولي.