مع استمرار العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، يبدو أن المشهد السياسي والعسكري في منطقة الشرق الأوسط قد دخل مرحلة “كسر العظم” التي لا تقبل الحلول الوسطى.
رؤية ترامب تعتمد على فكرة “جعل إيران عظيمة مرة أخرى”، وهي محاكاة لشعاره الشهير، حيث يرى أن إيران تمتلك موارد هائلة وإمكانات اقتصادية ضخمة يتم إهدارها من قبل القيادة الحالية. ومع ذلك، ربط ترامب هذا الازدهار الموعود بشرط سياسي صارم، وهو تنصيب “قائد عظيم ومقبول”، مما يشير بوضوح إلى أن واشنطن لن تقبل بأي تسوية تُبقي الوجوه الحالية في السلطة، بل تسعى لرؤية نظام جديد يتوافق مع المعايير الدولية ويضمن استقرار المنطقة.
هيغسيث أشار إلى أن الضغوط العسكرية ستزداد وتيرتها في الأيام المقبلة لإجبار طهران على الرضوخ. وفي الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل استهداف مواقع حيوية في قلب طهران والضاحية الجنوبية لبيروت، يبدو أن هناك تنسيقاً عالياً يهدف إلى شل قدرات “محور المقاومة” ومنع إيران من استخدام أوراق الضغط الإقليمية.
هذا التصعيد الميداني يخدم استراتيجية ترامب السياسية، حيث يضع القيادة الإيرانية تحت مطرقة القصف العسكري وسندان الضغط الشعبي الداخلي الناتج عن تدهور الأوضاع المعيشية، مما يجعل خيار الاستسلام الذي يطرحه ترامب “المخرج الوحيد” من وجهة النظر الأمريكية.
تداعيات المشهد: هل تقبل طهران بـ “الانتحار السياسي”؟
السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل يمكن لإيران أن تقبل بشرط ترامب للـ “استسلام غير المشروط”؟ بالنسبة للنظام في طهران، فإن القبول بهذا الشرط يعني “انتحاراً سياسياً” ونهاية لمشروع الجمهورية الإسلامية الذي استمر لعقود، لكن في المقابل، فإن الرفض يعني الاستمرار في مواجهة عسكرية قد تؤدي إلى انهيار الدولة بالكامل تحت وطأة القصف الأمريكي-الإسرائيلي المكثف.
إن رؤية ترامب لإنهاء الحرب تعتمد بشكل أساسي على إحداث شرخ بين القيادة والشعب، من خلال إغراء الأخير بحياة مرفهة واقتصاد قوي في حال رحيل النظام.
يظل الموقف الإيراني متصلباً حتى الآن، وسط محاولات لإثبات القدرة على الردع، بينما تستعد واشنطن، وفق تصريحات قادتها، لمرحلة أكثر عنفاً من القصف لضمان تحقيق رؤية “إيران العظيمة مجدداً” وفقاً للشروط الأمريكية الصرفة.
يبدو أن المنطقة تقف أمام منعطف تاريخي لا يقبل التجزئة؛ فإما الانصياع لرؤية ترامب القائمة على “الاستسلام والازدهار”، أو المضي قدماً في حرب استنزاف قد تنهي ملامح الدولة الإيرانية الحالية.
إن رهان واشنطن اليوم لا يتوقف عند حدود القصف الجوي، بل يمتد إلى خلخلة الجبهة الداخلية عبر وعود الرخاء الاقتصادي المشروط برحيل النظام. وبينما تظل طهران متمسكة بخيار الردع حتى الرمق الأخير، فإن تصاعد وتيرة العمليات العسكرية يشير إلى أن “فرص النجاة” السياسية تضيق تدريجياً، تاركةً المنطقة أمام صراع إرادات سيحدد وجه الشرق الأوسط للعقود القادمة.

