ذات صلة

جمع

حصاد الدم في السودان.. البرهان يغلق باب الهدنة في وجه الضغوط الدولية

دخلت الحرب السودانية في عام 2025 منعطفًا هو الأكثر...

خارطة الانتهاكات.. كيف يتقاسم الحوثيون والإصلاح السيطرة على جراح اليمن؟

يمر اليمن بمنعطف تاريخي هو الأكثر خطورة منذ عقود، حيث يجد الشعب اليمني نفسه عالقًا بين كماشة “الإرهاب الحوثي” المدعوم من إيران، وبين “الإرث الإخواني” المتغلغل في مفاصل السلطة عبر حزب الإصلاح.

إن هذا الثنائي المتصارع ظاهريًا والمتقاطع في المصالح البنيوية، حول البلاد إلى ساحة لتنفيذ أجندات لا تخدم المصلحة الوطنية اليمنية، بل تهدف إلى بناء كيانات أيديولوجية موازية للدولة.

فبينما تمارس المليشيا الحوثية أقصى درجات الإرهاب العسكري والطائفي عبر استهداف المدنيين والملاحة الدولية، يعمل تنظيم الإخوان على تجذير نفوذه داخل مؤسسات “الشرعية” والجيش، مما خلق حالة من الشلل في جبهات القتال وأدى إلى إطالة أمد الحرب.

الإرهاب الحوثي وتدمير الدولة

ما تزال المليشيا الحوثية تمارس نهجًا تدميريًا شاملاً يستهدف الهوية الوطنية اليمنية والنسيج الاجتماعي؛ فمنذ انقلابها على السلطة، لم تتوقف الجرائم عن التصاعد، بدءًا من زراعة ملايين الألغام في المناطق الآهلة بالسكان، وصولاً إلى تحويل المدارس والمساجد إلى مراكز للشحن الطائفي وتجنيد الأطفال.

إن الإرهاب الحوثي لم يعد شأنًا محليًا، بل تحول إلى تهديد عالمي عبر استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر، وهو ما يعكس طبيعة هذه الجماعة كأداة لتنفيذ مشاريع تخريبية عابرة للحدود.

وتوثق التقارير الحقوقية آلاف الحالات من الإعدامات الميدانية والتعذيب داخل السجون السرية في صنعاء وصعدة، بالإضافة إلى نهب أموال المساعدات الإنسانية وتوجيهها لدعم ما يسمى بـ “المجهود الحربي”؛ مما أدى إلى غرق ملايين اليمنيين في مجاعة تاريخية وصفها الأطباء بأنها تجاوزت حدود الكارثة لتصبح عملية “إبادة جماعية” ناتجة عن قرارات سياسية وعسكرية متعمدة من قيادة المليشيا.

التغلغل الإخواني وإضعاف الشرعية

على الجانب الآخر، يبرز خطر حزب الإصلاح “ذراع الإخوان المسلمين في اليمن” كعقبة رئيسية أمام استعادة الدولة؛ حيث تتهم تقارير تحليلية الحزب باستخدام غطاء “الشرعية” لبناء إمبراطورية مالية وعسكرية تخدم التنظيم الدولي للإخوان وليس الجمهورية اليمنية.

هذا الإرث الإخواني الثقيل تجلى في تعطيل العديد من الجبهات العسكرية ضد الحوثيين، وتوجيه القوات نحو صراعات جانبية في المحافظات المحررة، لا سيما في تعز وشبوة وأبين، بهدف السيطرة على منابع النفط والغاز.

إن بقاء القرار العسكري والأمني مرتهنًا للأجندة الإخوانية أدى إلى فقدان الثقة بين المكونات الوطنية المناهضة للحوثي، وخلق فجوة كبيرة استفادت منها المليشيا الحقلية للتمدد.

الموقف الأمريكي والغربي، الذي يرى فيه البعض تغاضياً عن خطر الإخوان، يثير تساؤلات حول مدى إدراك واشنطن لطبيعة “التخادم” غير المعلن بين الإخوان والحوثيين في إطالة أمد النزاع لضمان بقاء النفوذ الحزبي على حساب تطلعات الشعب اليمني في الحرية والاستقلال.

الانتهاكات المشتركة والضحية الواحدة

رغم الاختلاف الأيديولوجي، تتقاطع ممارسات الحوثيين والإخوان في قمع الحريات العامة واستهداف المعارضين السياسيين؛ ففي المناطق التي يسيطر عليها الحزب أو المليشيا، تُسجل انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، تشمل الاعتقالات التعسفية للصحفيين والناشطين، ومصادرة الممتلكات الخاصة تحت ذرائع مختلفة.

في تعز، يشتكي المواطنون من سطوة الجماعات المسلحة المرتبطة بالإخوان والتي تمارس الجباية والقتل خارج القانون، تمامًا كما تفعل “المشرفون” الحوثيون في مناطق الشمال.

هذا التماثل في الممارسات يؤكد أن اليمن يواجه مشروعين كلاهما يرفض مفهوم الدولة المدنية الحديثة، ويسعى لفرض نظام “الولاية” أو “التمكين الحزبي”.

الضحية الوحيدة في هذا المشهد هو المواطن اليمني الذي يجد نفسه مخيرًا بين سلطة طائفية سلالية أو سلطة حزبية شمولية، مما يجعل الحاجة إلى “طرف وطني ثالث” وقوي تدعمه القوى الإقليمية والمجتمع الدولي أمرًا لا يقبل التأجيل لتنقية الشرعية من الشوائب الإيديولوجية.

مستقبل اليمن بين الحسم والتدويل

إن اليمن 2026 يقف أمام خيارين؛ إما الاستمرار في دوامة الصراع التي يغذيها الإرهاب الحوثي والإرث الإخواني، وهو ما يعني تحول البلاد إلى بؤرة دائمة لتهديد الأمن والسلم الدوليين، أو الذهاب نحو عملية جراحية سياسية وعسكرية تستهدف استئصال النفوذ المتطرف من جسد الدولة.

إن الحل الحقيقي يبدأ من اعتراف المجتمع الدولي بضرورة التعامل مع حزب الإصلاح والحوثيين كوجهين لعملة واحدة من حيث التهديد الاستراتيجي لاستقرار المنطقة.

إن استعادة صنعاء من قبضة الحوثيين لا يمكن أن تتم بقوات يديرها تنظيم الإخوان الذي أثبتت التجارب أنه يفضل “التعايش مع الحوثي” على خسارة نفوذه الحزبي. لذلك، تظل مراجعة واشنطن والعواصم الغربية لسياساتها تجاه إخوان اليمن هي الخطوة الأولى لضمان نجاح أي تسوية سياسية شاملة، تقود البلاد نحو السلام المستدام بعيدًا عن صراعات الولاية والتمكين، ليعود اليمن سعيدًا كما كان، سيدًا على قراره، ومنسجمًا مع محيطه العربي والخليجي.

إن ما وثقته التقارير الأخيرة من جرائم وانتهاكات يضع العالم أمام مسؤولية أخلاقية وتاريخية؛ فالتغاضي عن “جرائم الإخوان” في مأرب وتعز لا يقل خطورة عن الصمت تجاه “جرائم الحوثيين” في صنعاء والحديدة.

اليمن يستحق قيادة وطنية خالصة تضع مصلحة الأرض والإنسان فوق كل اعتبار أيديولوجي أو حزبي ضيق، لإنهاء حقبة “الإرهاب والتمكين” التي دمرت مقدرات الشعب وأحالت حياته إلى جحيم مستعر.