أصدرت محكمة الاستئناف في تونس أحكامًا نهائية في ما يُعرف إعلاميًا بـ“قضية التسفير”، التي تتعلق بإرسال شبان تونسيين إلى بؤر توتر خارج البلاد خلال السنوات الماضية. وشملت الأحكام عددًا من القيادات المرتبطة بحركة النهضة، بعد مراجعة القرارات الصادرة ابتدائيًا في الملف.
وتراوحت العقوبات بين ثلاث سنوات و28 عامًا سجن، مع إقرار المراقبة الإدارية لفترات متفاوتة بعد استكمال مدة العقوبة. وبموجب هذه الأحكام، أُغلق عمليًا باب الطعن العادي، لتصبح القرارات قابلة للتنفيذ وفق الإجراءات القانونية المعمول بها.
مراجعة قضائية شاملة التهم المنسوبة
ومن بين أبرز المحكوم عليهم علي العريض، القيادي في حركة النهضة ورئيس الحكومة الأسبق، حيث خفض الحكم الصادر بحقه في المرحلة الابتدائية إلى 24 عامًا.
كما صدرت أحكام متفاوتة بالسجن بحق عدد من المسؤولين السابقين والناشطين المرتبطين بالملف، في سياق مراجعة قضائية شاملة للتهم المنسوبة إليهم.
قضايا إرهابية والانضمام إليها
وتتعلق القضية باتهامات تتصل بتكوين وفاق ذي صبغة إرهابية، والانضمام إليه، والمساعدة على تسفير أشخاص خارج البلاد بقصد الالتحاق بتنظيمات مسلحة، إضافة إلى تهم تتعلق بالتحريض وتوفير تسهيلات لوجستية ومالية.
وتعتبر السلطات التونسية هذا الملف من أخطر القضايا ذات الطابع الأمني التي عرفتها البلاد خلال العقد الماضي، نظرًا لارتباطه بملف المقاتلين التونسيين في الخارج.
القضية التي أثارت جدلًا سياسيًا وقانونيًا واسعًا تعود إلى سنوات ما بعد 2011، حين تصاعدت تقارير عن سفر مئات التونسيين إلى مناطق نزاع. ومع تعاقب التحقيقات، وُجهت أصابع الاتهام إلى شخصيات سياسية وأمنية بتسهيل أو غضّ الطرف عن عمليات التسفير، وهو ما نفاه المتهمون مرارًا، معتبرين أن الملف يحمل أبعادًا سياسية.
وشهدت جلسات المحاكمة مرافعات مطولة من هيئات الدفاع، التي دفعت بانتفاء الأركان القانونية لبعض التهم، وطعنت في مسار التحقيقات، بينما تمسكت النيابة بوجود قرائن وأدلة كافية تثبت المسؤولية الجنائية للمتهمين. ومع صدور أحكام الاستئناف، بدا أن المحكمة تبنّت في جوهرها توصيف الاتهامات، مع تعديل بعض مدد العقوبات.
أحكام تمثل محطة مفصلية في مسار المحاسبة
ويرى متابعون أن هذه الأحكام تمثل محطة مفصلية في مسار المحاسبة على خلفية ملف التسفير، في وقت تؤكد فيه الدولة التونسية عزمها مواصلة مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه.
كما تعكس الأحكام تمسك القضاء بمبدأ التقاضي على درجتين، حيث أُعيد النظر في الأحكام الابتدائية قبل تثبيتها أو تعديلها في مرحلة الاستئناف.
في المقابل، يتوقع أن تواصل هيئة الدفاع تحركاتها عبر المسارات القضائية المتاحة، في حين يترقب الرأي العام ما ستؤول إليه التطورات اللاحقة في واحد من أكثر الملفات حساسية في المشهد التونسي خلال السنوات الأخيرة.

