ذات صلة

جمع

قنابل موقوتة خلف السدود.. كيف تحولت حدود العراق وسوريا إلى كابوس أمني عابر للحدود؟

عاد ملف الحدود العراقية السورية ليتصدر واجهة الاهتمامات الأمنية...

إرث الدم والخراب.. سجل الإخوان في تفكيك النسيج الاجتماعي السوداني

أثار قرار البرلمان الفرنسي بتبني مقترح يدعو لإدراج جماعة...

بين الرصاص والصقيع.. كيف يواجه زيلينسكي أخطر أزمة طاقة منذ بدء الحرب؟

يواجه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وحكومته التحدي الأكثر خطورة...

حلم الانتخابات الليبية.. هل تستعيد تونس دورها كصانعة للسلام في طرابلس؟

تتركز أنظار المجتمع الدولي وفعاليات المجتمع المدني الليبي على...

شبح الدمار يتحرك.. هل يشرعن “الخط الأصفر” واقعًا جغرافيًا جديدًا في غزة؟

في الوقت الذي كانت فيه أروقة منتدى دافوس تضج بالتفاؤل حول توقيع ميثاق “مجلس السلام” العالمي مطلع عام 2026، كانت جرافات وآليات الاحتلال الإسرائيلي ترسم واقعًا مغايرًا تمامًا على أرض قطاع غزة المنهك.

فقد رصدت التقارير الميدانية وصور الأقمار الصناعية تحركًا مكثفًا لما بات يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وهو المسار العسكري والمكاني الذي تتبعه آليات الهندسة الإسرائيلية لترسيم مناطق عازلة وتدمير ما تبقى من مربعات سكنية في عمق الأحياء الشمالية والشرقية.

هذا الخط، الذي بدأ كمسار تقني لعمليات النسف، تحول اليوم إلى “شبح جيولوجي” يتحرك ببطء لابتلاع أحياء مدمرة بالكامل، وسط مخاوف حقوقية ودولية من أن يكون هذا التحرك هو التمهيد الفعلي لفرض واقع جغرافي جديد يهدف إلى تقليص مساحة القطاع الصالحة للسكن وتحويل عمق المدن إلى مناطق أمنية مفرغة من سكانها، في تعارض صارخ مع كافة التفاهمات السياسية المعلنة حول وقف إطلاق النار.

كواليس التحرك الميداني

كشفت معاينات ميدانية أجراها خبراء عسكريون في يناير 2026، أن “الخط الأصفر” لم يعد مجرد علامات تحذيرية على خرائط العمليات، بل أصبح واقعًا هندسيًا يتمثل في شق طرق عسكرية واسعة وتجريف كلي للمباني المحيطة بالمحاور الاستراتيجية.

وقد وصل هذا الخط إلى عمق أحياء كانت تُعتبر في السابق مناطق سكنية كثيفة مثل حي الشجاعية وجباليا، حيث تقوم وحدات الهندسة التابعة لجيش الاحتلال بوضع علامات صفراء على المباني المتبقية تمهيدًا لنسفها.

هذا الزحف الهادئ يتم تحت غطاء من القصف المدفعي المتقطع، ويهدف إلى خلق “ممرات رؤية” و”مساحات قتل” مكشوفة تمنع عودة النازحين إلى بيوتهم، مما يشير إلى أن الاحتلال لا يخطط للانسحاب كما نصت تفاهمات دافوس، بل يسعى لتأبيد تواجده العسكري من خلال إعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية بما يخدم أهدافه الأمنية بعيدة المدى.

تناقضات السياسة وواقع البارود

يمثل تحرك “الخط الأصفر” في عمق غزة تحديًا مباشرًا لمصداقية “مجلس السلام” الذي دشنته إدارة ترامب مع القوى العربية والدولية. فبينما يتحدث الميثاق عن “الاستقرار مقابل الإعمار”، فإن ما يحدث على الأرض هو “التدمير الممنهج لمنع الإعمار”.

وترى مصادر، أن الاحتلال يسابق الزمن لفرض وقائع جغرافية يصعب التراجع عنها في أي مفاوضات مستقبلية، مستغلاً انشغال العالم بتفاصيل المبادرات الدبلوماسية الكبرى.

إن شرعنة هذا الخط كواقع جغرافي تعني عمليًا عزل أجزاء واسعة من القطاع وتحويلها إلى أراضٍ محرمة، وهو ما تصفه حركات المقاومة الفلسطينية بأنه “إبادة عمرانية” تهدف إلى القضاء على فكرة “المدينة” في غزة وتحويلها إلى مخيمات متناثرة يسهل التحكم بها أمنيًا، مما يضع الوسطاء الدوليين أمام مسؤولية قانونية لإيقاف هذا الزحف قبل أن يصبح ميثاق دافوس مجرد حبر على ورق.

مأساة النازحين خلف الخطوط

خلف هذا “الخط الأصفر” المزعوم، تعيش آلاف العائلات الفلسطينية فصولاً من مأساة إنسانية تفوق الوصف في شتاء 2026 القارس.

فالنازحون الذين حاولوا العودة لتفقد ركام منازلهم وجدوا أنفسهم أمام مناطق عسكرية مغلقة يُمنع الاقتراب منها تحت طائلة الموت.

إن تحرك هذا الخط يعني اتساع دائرة التهجير القسري، حيث تفقد العائلات أي أمل في العودة القريبة، وتتحول مناطقهم إلى ساحات للتجريب الهندسي العسكري.

وتفيد شهادات الناجين بأن آليات الاحتلال تتعمد تدمير البنية التحتية التحتية من خطوط مياه وشبكات صرف صحي في مسار هذا الخط، لضمان عدم صلاحية المنطقة للحياة لسنوات طويلة قادمة.

هذا الواقع يضع المنظمات الإغاثية في مأزق، حيث تصبح عمليات الوصول للمناطق المتضررة مستحيلة، مما يفاقم من أزمة الجوع والمرض تحت وطأة الصقيع الذي يلف خيام النازحين.

الهندسة العسكرية وتكنولوجيا النسف

تعتمد قوات الاحتلال في ترسيم “الخط الأصفر” على تقنيات مسح جيومكاني متطورة ووحدات نسف احترافية تقوم بتدمير المربعات السكنية بشكل متسلسل، حيث أن الهدف المعلن هو “تطهير الأنفاق”، لكن الهدف الميداني الواضح هو خلق مناطق عازلة بعمق كيلومترات داخل القطاع.

إن وصول هذه العمليات إلى عمق أحياء غزة يعني أن الاحتلال قد قرر بالفعل تحويل غزة إلى “قفص ضيق” محاط بخطوط صفراء تمثل حدودًا أمنية جديدة غير معترف بها دوليًا ولكنها مفروضة بقوة البارود.

هذه الهندسة العسكرية لا تستهدف المقاتلين فحسب، بل تستهدف “الذاكرة المكانية” للفلسطينيين، من خلال مسح المعالم التاريخية والمدنية للأحياء، مما يجعل إعادة الإعمار عملية معقدة تقنيًا وسياسيًا في ظل تحكم الاحتلال في مسارات الدخول والخروج عبر هذه الخطوط المستحدثة.

مستقبل غزة 2026

يقف قطاع غزة اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تنجح الضغوط الدولية ومبادرة “مجلس السلام” في لجم تغول الاحتلال ووقف زحف “الخط الأصفر” نحو ما تبقى من كرامة مكانية، أو أن ينجح شبح الدمار في فرض واقع جغرافي جديد ينهي حل الدولتين من البوابة الغزية.

إن “الخط الأصفر” ليس مجرد مسار لآلية عسكرية، بل هو “حد فاصل” بين إرادة التحرر وإرادة الإبادة. وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي لفرض تراجع هذا الخط إلى حدود ما قبل أكتوبر 2023، فإن غزة ستظل جرحًا نازفًا في خاصرة العالم، وسيبقى السلام مجرد وهم يباع في منتديات النخبة بينما تُسحق عظام المدنيين تحت جنازير الدبابات التي ترسم حدودًا جديدة بدم الأبرياء وركام بيوتهم.