ذات صلة

جمع

رسائل النار والورق.. كيف تستخدم إسرائيل “الحرب النفسية” لتهجير سكان جنوب لبنان؟

في ظل التصعيد العسكري المستمر الذي تشهده الجبهة الجنوبية...

جرائم الحوثي وإيران.. كيف تستخدم طهران المليشيات الحوثية لضرب استقرار جيرانها؟

في إطار الرؤية التوسعية لنظام الولي الفقيه في طهران،...

شبح الظلام يطارد أوكرانيا.. كيف أدت الضربات الروسية لتقليص القدرة النووية؟

تعيش أوكرانيا اليوم واحدة من أصعب أزماتها الوجودية منذ...

شبح الظلام يطارد أوكرانيا.. كيف أدت الضربات الروسية لتقليص القدرة النووية؟

تعيش أوكرانيا اليوم واحدة من أصعب أزماتها الوجودية منذ بدء الصراع، حيث لم يعد التهديد مقتصرًا على جبهات القتال الأمامية، بل انتقل إلى عمق البنية التحتية الحيوية التي تغذي البلاد بالحياة.

إن “شبح الظلام” الذي بات يطارد المدن الأوكرانية ليس مجرد نتيجة عارضة للحرب، بل هو نتاج استراتيجية روسية مدروسة استهدفت تقليص القدرة النووية للبلاد بشكل ممنهج.

وتعتبر الطاقة النووية العمود الفقري للاقتصاد الأوكراني، حيث كانت توفر قبل النزاع أكثر من نصف احتياجات البلاد من الكهرباء، إلا أن الهجمات الصاروخية المتكررة واستخدام الطائرات المسيرة الانتحارية أدى إلى خروج مفاعلات عن الخدمة وتدمير شبكات الربط الكهربائي الفائقة؛ مما جعل الدولة الأوكرانية تكافح من أجل تأمين الحد الأدنى من الإنارة والتدفئة لمواطنيها في ظل ظروف مناخية وجيوسياسية بالغة القسوة.

استهداف شبكات التوزيع

لم تكتفِ الهجمات الروسية بمحاولة ضرب المنشآت بشكل مباشر، بل ركزت بشكل ذكي ومدمر على محطات التحويل والشبكات التي تنقل الطاقة من المفاعلات النووية إلى المدن الكبرى والمناطق الصناعية.

إن هذا التكتيك أدى إلى ما يعرف تقنيًا بـ “الإغلاق الاضطراري”، حيث تضطر المحطات النووية لخفض إنتاجها أو التوقف تمامًا لعدم وجود قنوات لتصريف الطاقة المنتجة، خوفًا من حدوث انفجارات في الشبكة الوطنية.

هذا التراجع القسري في الإنتاج تسبب في عجز هائل في الطاقة، مما دفع الحكومة الأوكرانية إلى اعتماد نظام القطع المبرمج للكهرباء لفترات طويلة، وهو ما أثر بشكل مباشر على المستشفيات والمصانع وقطاع الخدمات، وحول حياة الملايين إلى معاناة يومية مع الظلام الدامس والبرد القارص، وسط تحذيرات دولية من انهيار كامل للشبكة إذا استمرت وتيرة الضربات بهذه الكثافة.

محطة زاباروجيا.. الجرح النازف في جسد الطاقة الأوكرانية

تعتبر محطة زاباروجيا للطاقة النووية، وهي الأكبر في أوروبا، النموذج الصارخ لكيفية تراجع القدرة النووية الأوكرانية، فمنذ وقوعها تحت السيطرة الروسية، تحولت من مصدر رئيسي للطاقة إلى عبء أمني وقنبلة موقوتة تهدد القارة بأكملها.

توقف المحطة عن ضخ الكهرباء في الشبكة الوطنية الأوكرانية حرم البلاد من نحو 6000 ميغاواط، وهي خسارة لا يمكن تعويضها على المدى القريب أو المتوسط.

وعلاوة على فقدان الإنتاج، تعاني المحطة من انقطاعات متكررة في خطوط التغذية الخارجية اللازمة لتبريد المفاعلات، مما يضطر المهندسين لاستخدام مولدات الديزل الطارئة لمنع وقوع كارثة نووية، وهو وضع استنزف الموارد البشرية والتقنية الأوكرانية وجعل التركيز ينصب على “الأمان” بدلاً من “الإنتاج”، مما فاقم أزمة الطاقة بشكل دراماتيكي ومخيف.

التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لتراجع القدرة النووية

إن تراجع إنتاج الطاقة النووية لا يعني فقط انقطاع الأضواء، بل يمتد أثره ليضرب عصب الاقتصاد الأوكراني الذي يعاني أصلاً من ويلات الحرب. المصانع التي تعتمد على كثافة الطاقة توقفت عن العمل أو قلصت وردياتها، مما أدى إلى فقدان آلاف الوظائف وتراجع الصادرات الأوكرانية، وزيادة الاعتماد على استيراد الطاقة من الدول الأوروبية المجاورة بتكاليف باهظة ترهق كاهل الميزانية العامة.

أما على الصعيد الاجتماعي، فقد تسبب غياب الطاقة في أزمات نفسية ومعيشية حادة، حيث يواجه الأطفال صعوبة في التعليم عن بُعد، وتتعرض السلع الغذائية للتلف بسبب توقف المبردات، مما يخلق حالة من “الإحباط الطاقي” تسعى موسكو لاستغلالها للضغط على القيادة السياسية في كييف لتقديم تنازلات ميدانية، وهو ما يجعل ملف الطاقة النووية ورقة ضغط سياسية بامتياز.

صمود الفنيين والبحث عن بدائل في ظل النيران

على الرغم من حجم الدمار، يظهر الفنيون والمهندسون النوويون في أوكرانيا شجاعة استثنائية في محاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه تحت القصف المستمر، حيث يتم العمل على مدار الساعة لربط المفاعلات المتبقية بشبكات بديلة أقل عرضة للاستهداف.

كما بدأت الحكومة الأوكرانية بالتعاون مع الحلفاء الغربيين في البحث عن حلول مبتكرة مثل محطات الطاقة النووية الصغيرة والمتنقلة، وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة كحلول تكميلية، إلا أن هذه البدائل تظل قاصرة عن سد الفجوة الكبيرة التي خلفها تراجع الإنتاج النووي التقليدي

إن المعركة الحالية في أوكرانيا ليست معركة سلاح فحسب، بل هي معركة إرادة تقنية وصمود كهربائي، حيث يسابق الأوكرانيون الزمن لإبقاء مفاعلاتهم تنبض بالحياة، منعًا للسقوط في هاوية الظلام الشامل الذي يخطط له الخصم كأداة لحسم الصراع.