تجد كوبا نفسها اليوم تحت مجهر سياسي واقتصادي غير مسبوق، مع عودة الضغوط الأميركية إلى أقصى درجاتها، في لحظة إقليمية مضطربة أعادت خلط أوراق التحالفات التقليدية في أميركا اللاتينية.
بعد التطورات الدراماتيكية في فنزويلا، بدا أن الجزيرة الكاريبية فقدت آخر مظلة دعم حقيقية كانت تخفف من وطأة العزلة والعقوبات، لتدخل مرحلة أكثر قسوة من تاريخها الحديث.
سقوط الحليف وانكشاف الجزيرة
وعلى مدى سنوات، شكّلت فنزويلا شريان الحياة الأساسي للاقتصاد الكوبي، خصوصًا في ملف الطاقة، تراجع هذا الدعم تدريجيًا، ثم جاء الانهيار الكامل ليكشف هشاشة البنية الاقتصادية في كوبا، التي عجزت عن تعويض الفاقد من مصادر بديلة.
التحول وضع هافانا أمام واقع جديد، حيث لم يعد بالإمكان الاعتماد على التحالفات الأيديولوجية وحدها لضمان البقاء.
وتعاني كوبا من أزمة اقتصادية خانقة تتجلى في انهيار القوة الشرائية، ونقص حاد في الغذاء والدواء، وتدهور الخدمات الأساسية.
انقطاعات الكهرباء الطويلة تحولت إلى جزء من الحياة اليومية، فيما فقدت العملة المحلية قيمتها، وارتفعت معدلات الهجرة إلى مستويات غير مسبوقة.
هذا النزيف البشري أفرغ البلاد من فئات شابة كانت تشكل عماد الاقتصاد والمجتمع، ما عمّق الشعور العام بانسداد الأفق.
الضغط الأميركي كسياسة مستمرة
تنظر واشنطن إلى اللحظة الراهنة باعتبارها فرصة نادرة لإغلاق ملف كوبا الذي استعصى على الإدارات الأميركية المتعاقبة.
المقاربة الحالية لا تقوم على التدخل المباشر، بل على خنق تدريجي يستهدف مصادر الطاقة والتحويلات والقدرة على الحركة التجارية، هذه السياسة تسعى إلى دفع النظام الكوبي نحو نقطة الانهاك الكامل، على أمل أن يولد ذلك ضغطًا داخليًا يصعب احتواؤه.
خيارات محدودة أمام القيادة الكوبية
في مواجهة هذا التصعيد، تبدو خيارات هافانا محدودة، فالإصلاحات الاقتصادية الجزئية لم تنجح في كبح الانهيار، والانفتاح السياسي ما يزال مؤجلًا بفعل هواجس السيطرة والأمن.
في المقابل، شددت السلطة قبضتها على المشهد الداخلي، ما قلّص احتمالات تشكل معارضة منظمة قادرة على تحويل الغضب الشعبي إلى مسار سياسي واضح.
الخوف بدل الغضب في الشارع
رغم عمق الأزمة، لا تشهد كوبا حراكًا شعبيًا واسعًا. التجارب السابقة رسخت لدى الكوبيين قناعة بأن أي احتجاج مفتوح قد يواجه برد قاسي، ما دفع قطاعات واسعة إلى اختيار الهجرة أو الانكفاء بدل المواجهة، وهذا الصمت لا يعكس رضا، بل خوفًا وتعبًا، في مجتمع بات منشغلًا بتأمين الحد الأدنى من مقومات العيش.
السؤال المركزي يبقى مرتبطًا بقدرة الضغوط الأميركية على تحقيق هدفها النهائي، فالتاريخ يشير إلى أن النظام الكوبي أظهر قدرة عالية على الصمود، حتى في أقسى مراحل العزلة.
غير أن الفارق اليوم يتمثل في غياب الداعم الخارجي، وتآكل القاعدة الاجتماعية، وتراجع الموارد إلى مستويات خطيرة. هذه العوامل مجتمعة تجعل كوبا أقرب من أي وقت مضى إلى لحظة مفصلية.

