في اكتشاف يعيد فتح نافذة نادرة على حياة الإنسان في عصور ما قبل التاريخ، نجح فريق من علماء الآثار والباحثين في الصين في إعادة بناء الملامح التقريبية لرجل عاش قبل أكثر من 8 آلاف عام في موقع «جياهو» الأثري بمقاطعة خنان، لتتحول بقايا عظمية ظلت صامتة لآلاف السنين إلى وجه يمكن للإنسان المعاصر أن يراه للمرة الأولى.
ولم يعتمد الباحثون على التخمين البصري وحده، وإنما استخدموا تقنيات حديثة في علم الإنسان القديم والمسح ثلاثي الأبعاد وتحليل عظام الجمجمة والأسنان، في محاولة لاستعادة صورة علمية لشخص عاش داخل واحدة من أهم مستوطنات العصر الحجري الحديث في وسط الصين.
وأُعلنت نتائج إعادة بناء ملامح أحد سكان جياهو في مدينة تشنغتشو أواخر سبتمبر 2026، في مشروع شاركت فيه مؤسسات بحثية وأثرية صينية، من بينها معهد خنان للتراث الثقافي والآثار ومختبر علم الآثار الحيوية بجامعة جيلين.

ووفقًا للباحثين، فإن إعادة بناء الوجه تمثل محاولة علمية للاقتراب من الشكل الحقيقي للفرد، وليست صورة فوتوغرافية مطابقة لما كان عليه قبل آلاف السنين.
رجل من جياهو يعود إلى الحياة بتقنيات علمية
واعتمد الفريق البحثي في تحديد هوية الفرد البيولوجية على مجموعة من المؤشرات العظمية، بينها شكل عظمة الحوض ودرجة تآكل الأسنان، وهي مؤشرات استخدمها الباحثون لتقدير عمر الرجل وقت وفاته بنحو 25 إلى 30 عامًا.
وتكشف هذه البيانات أن صاحب الوجه المعاد بناؤه كان شابًا بالغًا عاش في مجتمع بشري مستقر قبل آلاف السنين، في فترة كانت فيها المجتمعات الزراعية في مناطق مختلفة من العالم تشهد تحولات كبيرة في أساليب الغذاء والاستقرار والإنتاج.
وقال البروفيسور تشو هونغ، من مختبر علم الآثار الحيوية بجامعة جيلين: إن الجمجمة تتميز بشكل بيضاوي منتظم، مع بروز واضح في المنطقة الواقعة بين الحاجبين، وحواف فوق العينين قوية، وعظام وجنتين بارزة، إلى جانب ملامح وجه مسطحة نسبيًا وأنف متوسط الحجم.
ووفق التحليل المنشور عبر المصادر الصينية الرسمية، تتوافق هذه السمات مع ما يعرفه الباحثون بالخصائص الجسدية لـ«النمط القديم لسكان السهول الوسطى».
وللوصول إلى الشكل النهائي، التقط الفريق صورًا عالية الدقة للجمجمة من زوايا متعددة، ثم أنشأ نموذجًا ثلاثي الأبعاد دقيقًا لها، قبل استخدام تقنيات إعادة بناء ملامح الوجه اعتمادًا على نقاط تشريحية محددة.
وذكرت المصادر العلمية المحلية، أن الباحثين استخدموا 28 مجموعة من النقاط المرجعية على الجمجمة لتقدير شكل الأنسجة والملامح الخارجية، مع الاستفادة من مؤشرات نمو العضلات وآثار ارتباطها بالعظام، ثم أضيفت تفاصيل مرتبطة بالعمر مثل التجاعيد الخفيفة وشعر الوجه.

جياهو.. مستوطنة تكشف أسرار المجتمع القديم
ولا تأتي أهمية إعادة بناء الوجه من الناحية البصرية فقط، فالشخص الذي أعاد العلماء ملامحه عاش داخل موقع أثري استثنائي يعرف باسم «جياهو»، يقع في قرية جياهو بمقاطعة وويانغ في خنان، ويعود تاريخه إلى فترة تتراوح تقريبًا بين 9000 و7500 عام قبل الحاضر.
ويعد الموقع من أهم مستوطنات العصر الحجري الحديث في الصين، وقد بدأت أعمال التنقيب فيه منذ ثمانينيات القرن الماضي، بينما كشفت عمليات الحفر المتعاقبة عن مئات المقابر ومجموعة ضخمة من الأدوات والآثار التي تساعد الباحثين على فهم طبيعة الحياة اليومية للمجتمعات البشرية القديمة.
وتؤكد بيانات معهد خنان للتراث الثقافي والآثار، أن مساحة الموقع تبلغ عشرات الآلاف من الأمتار المربعة، بينما أكدت أعمال التنقيب الأحدث أن المستوطنة كانت محاطة بخندق وأن مساحة الاستقرار المكتشفة وصلت إلى نحو 65 ألف متر مربع.
وتشير المعلومات الرسمية إلى أن جياهو لم يكن مجرد تجمع سكاني صغير، بل موقعًا غنيًا بالدلائل على تطور أنماط الاستقرار والإنتاج والحياة الاجتماعية. فمن بين المكتشفات أدوات حجرية وعظمية وفخارية، ومقابر، وآثار مرتبطة بالزراعة وتربية الحيوانات، فضلًا عن بقايا تساعد في دراسة تطور المجتمعات الزراعية في وسط الصين.
أكثر من 200 مقبرة تكشف تفاصيل جديدة
خلال أعمال التنقيب الحديثة، اكتشف علماء الآثار أكثر من 200 مقبرة في منطقة الدفن المركزية بالموقع، كما ظهرت أدلة على وجود توابيت خشبية في عدد من المقابر.
وأعلنت السلطات الأثرية في خنان خلال سبتمبر 2025، أن بعض هذه المقابر احتوت على آثار توابيت خشبية، وهو اكتشاف دفع الباحثين إلى إعادة النظر في تاريخ ظهور تقاليد الدفن باستخدام التوابيت في الصين.
وبحسب معهد خنان للتراث الثقافي والآثار، أظهرت الحفريات آثارًا لتوابيت في 10 مقابر، فيما بلغ طول بعض الهياكل المكتشفة نحو مترين، وهو ما يقدم مؤشرات إضافية على وجود ممارسات جنائزية منظمة داخل المجتمع الذي عاش في جياهو قبل أكثر من 8 آلاف عام.
كما أشارت المصادر الرسمية إلى أن الموقع شهد منذ بدء التنقيب اكتشاف آلاف القطع الأثرية التي ساعدت في بناء صورة أكثر وضوحًا عن المجتمع القديم.
ولا تتوقف أهمية المقابر عند طقوس الدفن، إذ تمثل العظام البشرية نفسها مصدرًا مهمًا لدراسة أعمار السكان وبنيتهم الجسدية وصحتهم وأنماط حياتهم.
ولهذا فإن إعادة بناء وجه أحد أفراد جياهو لا تعد مشروعًا منفصلًا عن علم الآثار، وإنما تأتي نتيجة مباشرة لتراكم عشرات السنين من عمليات التنقيب والتحليل العلمي للرفات البشرية.
مزامير عظمية وأقدم مؤشرات الموسيقى
ومن أكثر اكتشافات جياهو شهرة المزامير المصنوعة من عظام الطيور، والتي تمثل واحدة من أهم الأدلة على تطور الموسيقى في المجتمعات البشرية القديمة.
وتوضح بيانات إدارة الآثار في خنان، أن الموقع عثر فيه على أكثر من 40 مزمارًا عظميًا، وبعضها قادر على إنتاج سلم موسيقي من سبع درجات، الأمر الذي منح جياهو أهمية خاصة في دراسة تاريخ الموسيقى القديمة.
كما ارتبط الموقع بأدلة مبكرة على زراعة الأرز وتدجين بعض الحيوانات وإنتاج المشروبات المخمرة، إضافة إلى رموز محفورة على بعض القطع، وهو ما جعل الموقع محورًا لدراسات متعددة تتعلق ببدايات الزراعة والاستقرار والطقوس والتعبير الرمزي في المجتمعات الصينية القديمة.
وتؤكد دراسات أكاديمية مستقلة، أن طبقات جياهو تعود إلى مراحل متعددة من العصر الحجري الحديث، وأن الموقع قدم أدلة مهمة على الأرز المزروع والحيوانات المستأنسة والمزامير الموسيقية والمشروبات المخمرة.
وتوضح هذه المكتشفات، أن إعادة بناء وجه الرجل ليست مجرد قصة عن ملامح إنسان قديم، بل جزء من محاولة أكبر لفهم المجتمع الذي عاش فيه: ماذا كان يأكل، وكيف كان يدفن موتاه، وما الأدوات التي استخدمها، وكيف مارس الزراعة، وكيف عبّر عن نفسه من خلال الموسيقى والرموز.
لماذا يمثل الوجه المعاد بناؤه اكتشافًا مهمًا؟
وتكمن قيمة المشروع في أنه ينقل علم الآثار من دراسة الأشياء إلى محاولة الاقتراب من الأشخاص الذين استخدموا تلك الأشياء.
فالمقابر والفخار والأدوات والمزامير تقدم معلومات مهمة، لكن إعادة بناء وجه فرد محدد تمنح الجمهور وسيلة بصرية مباشرة لفهم أن هذه الآثار ارتبطت بأشخاص حقيقيين عاشوا وماتوا داخل مجتمع له عاداته وأنظمته واحتياجاته.
وأكد وانغ وي، عضو الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية ورئيس معهد خنان للتراث الثقافي والآثار، أن إعادة بناء الوجوه تمثل تقدمًا مهمًا في علم الآثار العلمي، لأنها تسمح للجمهور بالتعرف بصريًا على سكان جياهو الذين عاشوا قبل أكثر من 8 آلاف عام.
كما يرى باحثون مشاركون في المشروع، أن استخدام تقنيات إعادة بناء الوجه والرسوم المتحركة القائمة على الأدلة الأثرية يمكن أن يفتح طرقًا جديدة للتواصل بين الاكتشافات العلمية والجمهور.
ومع ذلك، يظل الوجه الناتج عن هذه العملية إعادة بناء علمية تقديرية، وليس نسخة مؤكدة بنسبة 100% من ملامح الرجل الأصلية؛ إذ تعتمد النتيجة على الأدلة المتاحة من الجمجمة والعظام والبيانات التشريحية، بينما تظل بعض التفاصيل الخارجية غير قابلة للاستعادة بصورة يقينية بعد مرور آلاف السنين وهذا الفارق مهم للحفاظ على الدقة العلمية وعدم التعامل مع الصورة باعتبارها تسجيلًا فوتوغرافيًا لشخص عاش في عصور ما قبل التاريخ.
وتمنح إعادة بناء ملامح رجل جياهو، إلى جانب اكتشافات الموقع المتواصلة، العلماء فرصة جديدة لربط التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية بالتاريخ الأوسع لنشأة المجتمعات المستقرة في الصين.
فمن مساحة المستوطنة إلى مئات المقابر، ومن المزامير العظمية إلى آثار الزراعة، تتشكل تدريجيًا صورة مجتمع عاش قبل آلاف السنين وترك وراءه أدلة ما تزال قادرة، حتى اليوم، على كشف المزيد من أسراره.

