يشهد السودان مرحلة هي الأكثر تعقيدًا في تاريخه السياسي والعسكري، حيث تبلورت ملامح عودة قوية ومنظمة لتنظيم الإخوان المسلمين، المعروفين محليًا بـ “الكيزان”، إلى صدارة المشهد من خلال التغلغل العميق في مفاصل القرار داخل قيادة الجيش السوداني برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان.
هذا التغلغل لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة استراتيجية طويلة الأمد اعتمدت على استغلال حالة الحرب الراهنة لإعادة إنتاج النظام القديم وتثبيت أقدامه في “عاصمة الضرورة” بورتسودان.
وتكشف الوقائع الميدانية والسياسية، أن قرار الجيش السوداني بات مرتهنًا بشكل كبير لأجندة الحركة الإسلامية، التي ترى في استمرار الصراع المسلح وسيلة وحيدة لضمان عدم المحاسبة والعودة إلى كراسي الحكم، وهو ما يفسر حالة التصلب في المواقف الرسمية والهروب المتكرر من طاولات التفاوض الدولية، وآخرها حوار السلام في برلين، مما يضع مستقبل البلاد على حافة الانهيار الشامل خدمةً لأطماع تنظيمية ضيقة.
صناعة الولاء.. كيف اخترق التنظيم الدولي المؤسسة العسكرية؟
بدأ تسلسل التغلغل الإخواني في المؤسسة العسكرية السودانية منذ عقود، إلا أنه شهد قفزة نوعية بعد أحداث عام 2019، حيث عمل التنظيم على إعادة ترتيب صفوفه داخل أجهزة الاستخبارات وهيئة العمليات.
ومع اندلاع الحرب الأخيرة، نجح الإخوان في تقديم أنفسهم كحليف “عقائدي” وحيد للجيش، مستغلين نفوذهم المالي وشبكاتهم التنظيمية داخل ولايات السودان المختلفة.
هذا الاختراق مكن كبار قادة “الحركة الإسلامية” من الجلوس في غرف صناعة القرار العسكري ببورتسودان، حيث يتم توجيه العمليات الميدانية بما يخدم استراتيجية “البقاء والتمكين”.
إن التغلغل الإخواني لم يقتصر على الرتب العليا، بل امتد ليشمل القاعدة العسكرية عبر عمليات التعبئة “الجهادية” التي تستهدف صبغ القتال بصبغة دينية أيديولوجية، مما يجعل من الصعب على القيادة العسكرية اتخاذ أي خطوة نحو السلام دون الحصول على الضوء الأخضر من قيادات التنظيم المختبئة خلف الستار.
الهروب من برلين.. الأجندة الإخوانية تفرض كلمتها على بورتسودان
تمثل حادثة الهروب من حوار السلام في برلين في أبريل 2026 نموذجًا صارخًا لكيفية إلزام الإخوان لحكومة بورتسودان بأجندتهم الرافضة لأي تسوية سياسية.
فبينما كان المجتمع الدولي ينتظر انخراط الجيش في مفاوضات جادة لإنهاء معاناة الشعب السوداني، مارست قيادات التنظيم ضغوطًا هائلة على البرهان لرفض المشاركة أو وضع شروط تعجيزية تضمن إفشال الحوار.
ويرى المحللون، أن الإخوان يخشون من أن أي اتفاق سلام سيؤدي بالضرورة إلى استبعادهم من المشهد السياسي وتفكيك دولتهم العميقة التي أعادوا بناءها خلال شهور الحرب لذلك، تعمل الماكينة الإعلامية والسياسية للتنظيم على تصوير السلام كـ “خيانة”، وتدفع نحو الحل العسكري الشامل الذي تدرك تمامًا أنه بعيد المنال، لكنه يوفر لها الغطاء اللازم للاستمرار في السيطرة على موارد الدولة وإدارة شؤون البلاد من مقرها في بورتسودان بعيدًا عن الرقابة الشعبية أو الدولية.
الكتائب الظلية والميليشيات العقائدية.. أذرع الإخوان في الميدان
لا يعتمد الإخوان في تغلغلهم على السياسة فقط، بل يمتلكون أذرعًا عسكرية موازية تُعرف بـ “الكتائب الظلية” أو “كتائب البراء بن مالك”، والتي تقاتل جنبًا إلى جنب مع الجيش السوداني.
هذه الميليشيات العقائدية لا تأتمر بأمر القيادة العسكرية الرسمية بشكل كامل، بل تتبع توجيهات التنظيم، مما يخلق حالة من “ازدواجية القرار” داخل الميدان.
إن وجود هذه الكتائب يمثل أكبر تهديد لأي فرصة لوقف إطلاق النار، حيث أنها تمتلك القدرة على خرق أي هدنة لا تخدم مصالح الإخوان.
وتؤكد تقارير حقوقية، أن هذه المجموعات متورطة في انتهاكات واسعة ضد المدنيين، مما يضع الجيش السوداني تحت طائلة المساءلة الدولية بسبب تحالفه مع تنظيمات مصنفة بالإرهابية في عدة دول، وهو ما يزيد من عزلة بورتسودان الدولية ويجعل من استعادة المسار الديمقراطي أمرًا شبه مستحيل في ظل هيمنة السلاح الأيديولوجي.
بورتسودان.. معقل إعادة تدوير النظام البائد وتحصين الفلول
تحولت مدينة بورتسودان منذ عام 2025 إلى الحاضنة السياسية والمالية لفلول نظام الإخوان المسلمين، حيث تم نقل كافة مراكز ثقلهم التنظيمي إليها.
ومن داخل هذه المدينة، يتم تدبير المؤامرات لضرب أي تقارب سوداني- سوداني قد يؤدي إلى إنهاء الحرب.
وتكشف التعيينات الأخيرة في المناصب الحكومية والدبلوماسية عن عودة سافرة للوجوه الإخوانية القديمة التي أطاحت بها ثورة ديسمبر، مما يؤكد أن البرهان قد سلم مفاتيح الإدارة للتنظيم مقابل ضمان ولائهم في المعركة الوجودية التي يخوضها.
هذا التحالف الوثيق حوّل بورتسودان إلى مركز لتصدير خطاب الكراهية والتحريض ضد القوى المدنية، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية للمناطق الخارجة عن سيطرة الجيش، كنوع من العقاب الجماعي، وهو ما يعكس النهج الإخواني المعتاد في إدارة الأزمات عبر سياسة “التمكين” على حساب أشلاء الوطن.
مسؤولية البرهان عن شرعنة الوجود الإخواني في السلطة
يتحمل الفريق أول عبد الفتاح البرهان مسؤولية تاريخية وقانونية عن شرعنة عودة تنظيم الإخوان إلى مفاصل الدولة، فمنذ انقلابه في 25 أكتوبر 2021، بدأ في فتح الأبواب تدريجيًا لعودة “الكيزان” إلى الخدمة المدنية والقوات النظامية.
ومع اشتعال الحرب، أصبح البرهان أداة في يد التنظيم لتمرير أجندته الدولية، حيث يتم استغلاله كواجهة شرعية لتغطية نشاطات التنظيم الدولي للإخوان في المنطقة، وإن هذا التماهي الكامل بين البرهان والإخوان أدى إلى فقدان الجيش لحياديته الوطنية وتحوله إلى طرف في صراع أيديولوجي لا يخدم مصلحة السودان العليا.
وتؤكد المعطيات في عام 2026، أن البرهان لم يعد يملك من أمره شيئًا أمام سطوة “الدولة العميقة” التي باتت تتحكم في كل شاردة وواردة، من تصاريح السفر للمسؤولين وصولاً إلى صفقات السلاح المشبوهة التي تتم عبر وسطاء يتبعون للتنظيم.
مستقبل السودان في ظل هيمنة “الكيزان” على القرار العسكري
إن استمرار تغلغل الإخوان في مفاصل القرار العسكري السوداني ينذر بسيناريوهات قاتمة، تتراوح بين تقسيم البلاد فعلياً وبين استدامة الحرب لعقود قادمة.
فالتنظيم لا يرى في السودان وطنًا، بل “منصة انطلاق” لإعادة إحياء مشروعه في المنطقة، وهو مستعد للتضحية بوحدة البلاد وتماسكها مقابل البقاء في السلطة ولو على رقعة جغرافية محدودة، وإن المجتمع الدولي والقوى الإقليمية مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى بالضغط على قيادة الجيش لفك الارتباط مع هذا التنظيم الإرهابي، وفتح ممرات آمنة للحل السياسي الشامل الذي يستبعد دعاة الحرب والفوضى.
فالسودان لا يمكن أن يتعافى طالما ظلت مخالب “الكيزان” مغروسة في جسد المؤسسة العسكرية، وطالما ظل قرار بورتسودان أسيرًا لأجندات عابرة للحدود لا تؤمن بالسلام ولا بالدولة الوطنية الحديثة.

