ذات صلة

جمع

من الجمعيات إلى التمويل.. النمسا توسع إجراءات الرقابة على التنظيمات المتطرفة

تخوض الجمهورية النمساوية اليوم معركة تاريخية ومفصلية في مواجهة...

البرهان تحت ضغط الشارع.. مظاهرات حاشدة ترفع شعار “السلطة سلطة الشعب”

شهدت مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور تحولاً مفصليًا...

5 روايات تخطف أنظار القراء.. ماذا يوجد في قائمة نيويورك تايمز؟

لم تعد قائمة الكتب الأكثر مبيعًا مجرد ترتيب لأسماء...

وثائق أممية وتحديات أمنية.. لماذا أصبح حصر السلاح أولوية في العراق؟

يقف العراق اليوم عند مفترق طرق تاريخي يُعيد تشكيل...

تاكو الدجاج بالهالبينو.. وصفة مكسيكية سهلة وسريعة في دقائق

تتميز الأطباق المكسيكية بطابعها الحيوي وألوانها المميزة ونكهاتها الجريئة...

من الجمعيات إلى التمويل.. النمسا توسع إجراءات الرقابة على التنظيمات المتطرفة

تخوض الجمهورية النمساوية اليوم معركة تاريخية ومفصلية في مواجهة التهديدات الأمنية والفكرية الناجمة عن أنشطة تنظيم الإخوان الإرهابي والشبكات الموازية الداعمة لما يُعرف بالإسلام السياسي.

ولم تعد المواجهة النمساوية مقتصرة على المعالجات الأمنية التقليدية أو الملاحقات الفردية، بل تحولت إلى زخم سياسي وتشريعي عارم اجتاح برلمانات الولايات والبرلمان الاتحادي في فيينا، متعهدًا بسن حظر شامل وقاطع يجفف المنابع الهيكلية والتنظيمية والمالية للجماعة.

وتكشف التطورات المتسارعة أن المؤسسات التشريعية والتنفيذية النمساوية استشعرت الخطر الداهم الذي يستهدف تقويض النواة الصلبة للديمقراطية والمساس بالمبادئ الليبرالية عبر استراتيجية التغلغل الناعم واختراق الدوائر الحكومية.

وتأتي هذه التطورات متزامنة مع قناعة راسخة لدى أجهزة أمن الدولة بأن الأيديولوجيا الإخوانية تشكل التهديد الأكبر والأكثر خطورة على السلم الأهلي، حيث تعمل الشبكات الأصولية على بناء كيانات موازية تعزل فئات واسعة عن المجتمع وتزرع مفاهيم الرفض والانفصال المجتمعي تحت غطاء حرية العبادة والعمل المدني.

وفي جلسة تاريخية حبست الأنفاس داخل برلمان ولاية ستيريا التي تعد ثاني أكبر ولايات النمسا من حيث المساحة والأهمية الاقتصادية- طفت قضية التغلغل الإخواني على السطح بقوة غير مسبوقة.

توافق سياسي وحراك برلماني لحظر شامل وتفكيك البنى المتطرفة

شهدت جلسة برلمان ستيريا نقاشات موسعة عكست حالة الإجماع النادر بين مختلف الأطياف السياسية والكتل النيابية حول ضرورة اتخاذ إجراءات زاجرة أكثر صرامة ضد التهديدات المتطرفة.

وعلى الرغم من الصياغة الأولية المقدمة من حزبي الشعب والحرية، فقد بادر حزب الخضر بتقديم اقتراح تعديل جوهري يهدف إلى توسيع نطاق الحظر والتضييق التشريعي ليشمل جميع الهياكل والمنظمات المتطرفة بلا استثناء، مؤكدين أنه سواء تعلق الأمر بكيانات جماعة الإخوان المسلمين أو بالحركات المتطرفة الأخرى، فإن كل من يسعى لتقويض الديمقراطية يجب إيقافه وملاحقته قانونياً.

ومن جانبه، قدم الحزب الاشتراكي الديمقراطي اقتراحًا متكاملاً لصياغة “قانون شامل لمكافحة التطرف”، مشددًا على أن مواجهة خطر الإسلام السياسي وتيارات التطرف باتت أولوية قصوى لا تحتمل التأجيل لحماية الأمن القومي ومؤسسات الدولة.

ولم يتوقف هذا الزخم عند البرلمانات المحلية للولايات، بل انتقل برتم أسرع إلى أروقة البرلمان الاتحادي في العاصمة فيينا، حيث قدم النائب غيرنوت دارمان برفقة عدد من البرلمانيين مشروع قرار رسمي ورفيع المستوى يتعامل مع محاولات الإخوان الفاشلة لاختراق مديرية أمن الدولة والاستخبارات (جهاز الاستخبارات الداخلية النمساوي).

ويركز مشروع القرار النيابي على تداعيات الفضيحة الأمنية والسياسية المدعمة بالمستندات والتي هزت أركان جهاز مكافحة الإرهاب في شهر أكتوبر الماضي، بعد اكتشاف تورط موظف يعمل في قسم مكافحة الإرهاب بالمديرية في إجراء استعلامات غير قانونية ومكثفة على مدار عدة أشهر عن بيانات وقضايا شديدة الحساسية تخص قيادات وأفراد تنظيم الإخوان دون أي سند وظيفي أو تكليف رسمي، وقام بعد ذلك بتسريب معلومات الاستخبارات والتحقيقات الجارية إلى أفراد الكيان الأصولي لتحذيرهم وإحباط التحريات الأمنية الموجهة ضدهم.

الاختراق الاستخباراتي وسقوط قناع منظمة “دريد” تحت طائلة التفتيش

وتضمن التقرير البرلماني النمساوي تحذيرات قاطعة شددت على أن الإسلام السياسي بات يمثل الخطر الأكبر والمباشر على الأمن الداخلي للنمسا، معتبرين أنه من غير المقبول إطلاقًا أن يتلقى الجهاز الموكل إليه حماية المواطنين النمساويين ضربات واختراقات سريّة من شبكات منظمة تسعى للعبث بملفات مكافحة الإرهاب.

وشددت المطالبات النيابية على ضرورة إجراء تحقيق شامل وشفاف بكشف كافة الثغرات الأمنية وترتيب العواقب القانونية والإدارية الرادعة بحق كل من تثبت علاقته بهذا الاختراق الخطير.

وتأتي هذه التطورات البرلمانية دعمًا لمشروع القرار الذي أطلقه المستشار النمساوي كريستيان ستوكر، والذي أعلن رسميًا أن الحكومة تعمل على صياغة حزمة تعديلات تشريعية مشددة لحظر الإسلام السياسي، وتعديل قوانين الجمعيات والديانات لتجفيف المنافذ التي تتسلل منها الجمعيات التابعة للتنظيم الإرهابي.

وجاء هذا التحرك الحكومي الحاسم بعد فضيحة أمنية كبرى كشفتها أجهزة الاستخبارات النمساوية عقب عمليات تدقيق ومتابعة دقيقة بدأت في يونيو الماضي، حيث تم رصد ذراع تنفيذي سري للإخوان يعمل في النمسا تحت لافتة براقة وخادعة وهي منظمة “دريد” .

وكانت هذه المنظمة تروج لنفسها كجهة متخصصة في “مكافحة التطرف وإعادة تأهيل المساجين”، ونجحت عبر هذا التضليل في إبرام عقود وتنفيذ مشاريع مشتركة بتمويلات رسمية مع وزارة العدل النمساوية، قبل أن تكتشف أجهزة الأمن أن المنظمة تستخدم هذه الشراكات للوصول إلى النزلاء وتجنيدهم، وتمرير الأفكار الأيديولوجية المتطرفة تحت الغطاء الحكومي، وتلقي أموال التمويل العام لصالح الأجندة التنظيمية المباشرة لجماعة الإخوان.

تقارير حقوقية وأممية حديثة: أرقام رسمية وتواريخ توثق خطورة الأيديولوجيا الإخوانية

وتستند التحركات النمساوية والأوروبية المناهضة لتنظيم الإخوان إلى مجلدات ضخمة من التقارير الحقوقية والأمنية والأممية الموثقة بالأرقام والتواريخ الصريحة خلال الفترة الممتدة من 2024 إلى 2026.

وفي هذا السياق، خرجت رئيسة جهاز حماية الدولة والاستخبارات الداخلية النمساوية، سيلفيا ماير، بتصريحات صحفية حاسمة حذرت فيها من أن جماعة الإخوان تعمل وفق خطة ممنهجة لتشكيل مجتمعات موازية داخل الدولة، مطالبة بالتعجيل بتغليظ عقوبات قانون الجمعيات والقانون الجنائي.

وأكدت ماير أن خطر الإسلام السياسي لا يكمن فقط في الهيكل التنظيمي المباشر للجماعة، بل في الأيديولوجيا الخطيرة الكامنة وراءها، والتي تعمل مثل التطرف اليميني على التآكل التدريجي للمبادئ الليبرالية والديمقراطية وتقويض التعايش السلمي كلما اتسعت رقعة انتشارها بين السكان.

وعلى المستوى الدولي، وثقت تقارير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان واللجان المعنية بمكافحة الإرهاب في تحديثاتها الدورية الصادرة عامي 2025 و2026، أن التنظيمات الأصولية والشبكات التابعة للإسلام السياسي تستغل أكثر من 280 جمعية ومؤسسة أهلية مجتمعية في وسط وغرب أوروبا لجمع الأموال وغسيل التبرعات، حيث تقدر الاستثمارات والمحافظ العقارية المشبوهة المرتبطة بهذه الجمعيات بأكثر من 120 مليون يورو سنويًا يتم توجيه جزء كبير منها لدعم أنشطة التطرف والتأثير على القرار السياسي.

كما أشارت تقارير المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الدين أو المعتقد إلى أن محاولات فرض الوصاية الفكرية وإنشاء المحاكم المجتمعية الموازية في بعض الأحياء الأوروبية أسفرت عن انتهاكات جسيمة لحقوق النساء والأطفال والتضييق على الحريات الشخصية بنسبة زيادة تجاوزت 40% في المناطق التي تشهد كثافة لأنشطة تلك الكيانات الإخوانية.

استنفار أوروبا لتجفيف منابع التمويل وحماية الاستقرار الديمقراطي

وتتكامل الإجراءات التشريعية والأمنية في النمسا مع حالة استنفار شاملة تشهدها عدة دول أوروبية اتخذت خطوات مماثلة لحظر الواجهات الإخوانية وتحديث التشريعات المناهضة لغسيل الأموال والتمويل المشبوه.

وتدرس المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي صياغة إطار أمني موحد يفرض الشفافية التامة على القنوات المالية للجمعيات غير الحكومية، ويمنع استخدام الميزانيات العامة في تمويل أي جمعية تثبت التحقيقات صلتها بالتنظيمات الأصولية أو استغلالها لشعارات مكافحة التمييز لتمرير أهداف حظرية وتفكيكية.

وتأتي هذه الخطوات لتنهي عقودًا من السذاجة السياسية التي سمحت لجماعة الإخوان بالتمكين واستغلال الديمقراطية الأوروبية ضد نفسها.