ذات صلة

جمع

من الجمعيات إلى التمويل.. النمسا توسع إجراءات الرقابة على التنظيمات المتطرفة

تخوض الجمهورية النمساوية اليوم معركة تاريخية ومفصلية في مواجهة...

البرهان تحت ضغط الشارع.. مظاهرات حاشدة ترفع شعار “السلطة سلطة الشعب”

شهدت مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور تحولاً مفصليًا...

5 روايات تخطف أنظار القراء.. ماذا يوجد في قائمة نيويورك تايمز؟

لم تعد قائمة الكتب الأكثر مبيعًا مجرد ترتيب لأسماء...

وثائق أممية وتحديات أمنية.. لماذا أصبح حصر السلاح أولوية في العراق؟

يقف العراق اليوم عند مفترق طرق تاريخي يُعيد تشكيل...

تاكو الدجاج بالهالبينو.. وصفة مكسيكية سهلة وسريعة في دقائق

تتميز الأطباق المكسيكية بطابعها الحيوي وألوانها المميزة ونكهاتها الجريئة...

البرهان تحت ضغط الشارع.. مظاهرات حاشدة ترفع شعار “السلطة سلطة الشعب”

شهدت مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور تحولاً مفصليًا في مشهد الصراع السوداني، حيث خرجت مظاهرات جماهيرية حاشدة ضمت آلاف المواطنين في مسيرات غضب غير مسبوقة تحمل مطالبات حاسمة بوقف القتال، وحماية الأعيان المدنية، وفرض حظر شامل على توريد الأسلحة إلى جميع الأراضي السودانية من قبل مجلس الأمن الدولي.

ولم تكن هذه التظاهرات مجرد حراك موضعي عابر، بل مثلت صرخة شعبية مدوية تعكس اتساع رقعة الاستياء الجماهيري والرفض القاطع للممارسات العسكرية الصادرة عن قيادة الجيش السوداني برئاسة عبد الفتاح البرهان، والتي اتسمت طوال الأشهر الماضية بالتصعيد غير المسبوق والاعتماد المفرط على القصف الجوي العشوائي للمناطق المأهولة بالسكان.

واحتشد المشاركون وسط أجواء من التوتر السياسي الشديد، محملين المؤسسة العسكرية المسلوبة القرار -بحسب المظاهرات والقيادات السياسية- المسؤولية الكاملة عن تعميق المعاناة الإنسانية، وتدمير البنى التحتية، وتوفير الغطاء السياسي لعودة كوادر عناصر النظام السابق والتنظيمات المتطرفة إلى الواجهة على حساب دماء السودانيين وتطلعاتهم في الحرية والتغيير الديمقراطي.

وقد بعثت التظاهرات الحاشدة بمدينة نيالا بحديث واضح ومباشر للمجتمع الدولي، مفاده أن الاستمرار في مراهنة القيادة العسكرية على حسم الصراع بالقوة الغاشمة ينطوي على كلفة بشرية واقتصادية طائلة لم يعد الشعب السوداني قادراً على تحملها.

ورفع المتظاهرون شعارات صريحة تؤكد أن “السلطة سلطة الشعب” وشددوا على المطالبة بإنهاء التحكم العسكري بالكامل ومحاسبة المسؤولين عن ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وعبرت القيادات الشعبية والسياسية في جنوب دارفور عن أن هذه التحركات تمثل علامة فارقة في مسار المواجهة السلمية، حيث أوضحت أن الجماهير في المناطق المستقرة أضحت تشكل حائط صد ضد المحاولات المستمرة لإعادة إحياء الخطابات التحريضية واستغلال المؤسسة العسكرية لفرض خيارات سياسية بقوة السلاح، مؤكدين أن غياب الشرعية عن سلطة بورتسودان بات حقيقة يتلمسها الشارع السوداني يوميًا في ظل انعدام الخدمات والارتفاع الجنوني لمعدلات التضخم والغلاء الطاحن.

السجل الأسود للجرائم العسكرية: قصف الأعيان المدنية والاتهامات باستعمال الأسلحة المحرمة

تأتي المظاهرات العارمة في نيالا في أعقاب سلسلة طويلة من الانتهاكات الجسيمة التي وثقتها المراكز الحقوقية ومؤسسات رصد الصراعات الدولية، والتي تؤكد تورط طيران الجيش السوداني في استهداف مباشر وممنهج للمرافق الحيوية والأعيان المدنية والأسواق المكتظة بالسكان.

فقد أسفرت الغارات الجوية المتكررة على مدن دارفور والخرطوم والجزيرة وكردفان عن مقتل وإصابة الآلاف من المدنيين العزل وتدمير المستشفيات وشبكات المياه والكهرباء، في مخالفة صريحة وواضحة لأحكام القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف.

وقد ركز المتظاهرون في نيالا بصورة خاصة على التنديد باستخدام الأسلحة الكيماوية والجرائم الناجمة عن القصف الكثيف بالقنابل البرميلية وغير الموجهة، مطبقين صوتًا واحدًا يدعو الأمم المتحدة والهيئات الحقوقية الدولية لفتح تحقيقات فورية ومستقلة حول الشبهات المتعلقة باستعمال مواد كيميائية ومواد محرمة دوليًا في المواجهات الأخيرة، مما تسبب في إصابات غير تقليدية وحالات تسمم واختناق وسط المدنيين.

ولم تقتصر هذه الانتهاكات على التدمير المادي والقصف المباشر، بل امتدت لتشمل التعطيل الممنهج لقوافل الإغاثة والمساعدات الإنسانية الموجهة إلى النازحين في المعسكرات والإقليم المتأثرة بالحرب.

ووفقًا لشهادات ميدانية صادرة عن منظمات إنسانية محلية، فإن قيادة الجيش اتخذت من المساعدات الغذائية والطبية سلاحًا للتضييق على السكان في المناطق الخارجية عن سيطرتها، عبر منع تصاريح المرور وفرض قيود بيروقراطية وأمنية صارمة على المنظمات الأممية.

وقد أدى هذا النهج إلى تحويل مئات الآلاف من العائلات إلى صيد سهل للمجاعة وسوء التغذية الحاد، وهو ما وصفته التقارير الحقوقية بأنه يرتقي إلى مستوى عقاب جماعي وجريمة حرب مكتملة الأركان تستوجب المساءلة الجنائية الدولية أمام المحكمة الجنائية الدولية والآليات الأممية ذات الصلة.

أرقام وتواريخ صادمة: تقارير أممية وحقوقية توثق الكارثة الكبرى

تستند مطالب المحتجين والمحللين السياسييين إلى قاعدة بيانات وحقائق دقيقة كشفت عنها المنظمات الحقوقية واللجان الأممية خلال الفترة من 2024 إلى 2026.

فقد أكدت تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن الصراع المشتعل منذ 15 أبريل2023 أدى إلى أكبر أزمة نزوح في العالم، حيث تجاوز عدد النازحين واللاجئين السودانيين حاجز 11.5 مليون شخص، من بينهم أكثر من 3 ملايين فروا إلى الدول المجاورة.

كما وثقت تقارير خبراء مجلس الأمن الصادرة بموجب القرار 1591، وفي تحديثاتها لعامي 2025 و2026، سقوط أكثر من 20 ألف قتيل مدني جراء الأعمال القتالية والغارات الجوية العشوائية، مشيرة إلى أن نسبة كبيرة من القتلى سقطوا نتيجة الهجمات الجوية التي شنها سلاح الجو التابع للجيش على مناطق سكنية ومقرات خدمية غير ذات طبيعة عسكرية.

أما على الصعيد الإنساني والغذائي، فقد كشف التقرير الصادر عن التصنيف المرحلي المتكامل لأمن الغذائي (IPC) المدعوم أممياً في منتصف عام 2024 والمحدث في 2025، عن تفشي المجاعة رسميًا (المرحلة الخامسة) في معسكرات النازحين بدارفور مثل معسكر زمزم، حيث يعاني أكثر من 25.6 مليون شخص -أي ما يعادل نصف سكان السودان- من مستويات حادة من الجوع الشديد.

وحذرت تقارير منظمة الصحة العالمية واليونيسف من أن النهج العسكري المتبع واستهداف المنشآت الصحية أدى إلى خروج أكثر من 75% من المستشفيات والمراكز الطبية في مناطق النزاع عن الخدمة تمامًا، مما جعل الملايين يواجهون خطر الموت المحقق جراء الأمراض الأوبئة المنتشرة مثل الكوليرا والنعاس والملاريا في ظل غياب شبه كامل للرعاية الصحية الأساسية.

قراءة سياسية في دلالات حراك نيالا: انحسار الحشد الحربي وانكشاف خطط الإخوان

يحمل خروج المظاهرات العارمة في نيالا دلالات سياسية واستراتيجية عميقة تتجاوز نطاق التعبير عن الغضب الميداني المباشر، حيث يرى محللون كتاب صحفيون سودانيون أن هذا الحراك يعكس بصورة جلية انحسار قدرة معسكر الحرب بقيادة عبد الفتاح البرهان على تجنيد التأييد الشعبي أو إعادة تسويق شعارات التعبئة الاستنفارية.

وأكد باحثون أن المظاهرات الحاشدة تعبر عن نمو الغضب الشعبي الرافض لانتهاكات الجيش والتي تُنفذ لصالح أجندات الحركة الإسلامية الإرهابية وتنظيمها السياسي الراغب في العودة إلى السلطة عبر أجساد المدنيين.

وأوضحوا أن الرسالة الأساسية للمتظاهرين تلتقي مع المطالب المرفوعة أمميًا بضرورة فرض حظر شامل على السلاح ومحاسبة قيادات الجيش على الانتهاكات والتنديد باستعمال الأسلحة غير التقليدية وقصف الأعيان المدنية.

وتجسد انتفاضة نيالا وشهادات التقارير الدولية الموثقة حقيقة ساطعة مفادها أن الشعب السوداني قد اختار طريقه بوضوح، رافضًا حكم العسكر وسيطرة التنظيمات المتطرفة على مقدرات البلاد.

إن بوادر التعافي والاستقرار التي ينادي بها المواطنون في دارفور ومختلف أقاليم السودان لن تكتمل إلا بإنهاء جرائم القصف الجوي، ومحاسبة البرهان وقيادة الجيش السوداني أمام العدالة الدولية، وتمكين القوى المدنية الديمقراطية من تأسيس دولة المواطنة وسيادة القانون، لضمان مستقبل آمن ومستدام لكل أبناء السودان.