في مشهد يعكس ذروة الانحدار في أداء الجماعات التي تتخذ من العنف وسيلة للسيطرة، بات رجال العدالة والقانون في محافظة تعز اليمنية الهدف الأبرز لحملة إرهاب منظمة تهدف إلى تعطيل مؤسسات الدولة وإحلال شريعة الغاب بدلاً من سيادة القانون، حيث تسعى هذه المليشيات إلى إفراغ المؤسسة القضائية من قوتها الرادعة لضمان استمرار سيطرتها على مفاصل الحياة العامة.
إن ما يجري اليوم في “العاصمة الثقافية” لليمن ليس مجرد أحداث عابرة أو خلافات شخصية، بل هو جزء من استراتيجية متكاملة لتقويض أركان المجتمع وكسر هيبة السلطة القضائية، وهو ما تؤكده التقارير الحقوقية المحلية التي رصدت عشرات الوقائع الموثقة التي استهدفت قضاة ومحامين رفضوا الخضوع لإملاءات المليشيات المسلحة أو التغاضي عن انتهاكاتهم المستمرة بحق المدنيين والممتلكات العامة والخاصة.
سلسلة من الوقائع الدامية: القضاء هدفًا للاغتيال
في واقعة تعكس حجم الاستهتار بحياة البشر، نجا المحامي البارز “بسام عارف المحيا” بأعجوبة من محاولة اغتيال غادرة استهدفته وأسرته في قلب مدينة تعز؛ حيث أطلقت عناصر مسلحة مرتبطة بكيانات متطرفة وابلاً من الرصاص الحي نحو سيارته في حي الجحملية، في جريمة موثقة تضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات التي لم تجد طريقها نحو العدالة بسبب توغل العناصر المسلحة داخل الأجهزة الأمنية المحلية.
تقارير أممية وحقوقية: انتهاكات تتنافى مع المواثيق الدولية
وتشير التقارير الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان “OHCHR”، لا سيما تلك الموثقة في تقارير فريق الخبراء الدوليين المعني باليمن مثل تقرير سبتمبر 2021 والسنوات التي تلته، إلى أن استهداف رجال القضاء يمثل انتهاكًا صارخًا للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛ إذ يُعدُّ ترهيب القضاة والمحامين جريمة ضد استقلال القضاء، وهو ما يتعارض مع مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية التي اعتمدت في مؤتمر ميلانو 1985.
لقد وثقت شبكة “محامون ضد الفساد” في سلسلة من البيانات الدورية خلال الأعوام “2023-2026” عددًا من الهجمات الممنهجة التي نفذتها عناصر خارجة عن النظام والقانون، مؤكدة أن هذه الهجمات تسعى لإحداث “فراغ قانوني” يسهل على المليشيات الاستيلاء على الحقوق الخاصة وتصفية الخصوم.
وقد حذرت المنظمة في تقريرها الصادر في يونيو 2026 من أن استمرار الإفلات من العقاب يشجع العناصر المسلحة على ارتكاب المزيد من الجرائم، مما يضع استقرار المجتمع اليمني على المحك.
لماذا يخشى هؤلاء “سيادة القانون”؟
يكمن السر في استهداف رجال القانون في أن المؤسسة القضائية هي الحصن الأخير الذي يمنع انزلاق البلاد نحو الفوضى المطلقة؛ فالقضاة والمحامون يعملون كمرآة تعكس خروقات هذه التنظيمات، وهم العائق الأساسي الذي يحول دون شرعنة “السلب والنهب” الذي تمارسه العصابات تحت مسميات مختلفة، حيث ترى هذه المليشيات في القوانين اليمنية النافذة قيودًا تحاصر نشاطها الإجرامي وتمنعها من ممارسة نفوذها غير القانوني على الأراضي والممتلكات العامة.
إن رغبة التنظيم في “تطويع” القضاء تعود لكونه يسعى لإحكام قبضته على القرارات الحساسة المتعلقة بقضايا أمن الدولة والنزاعات العقارية الكبرى؛ فهناك ارتباط عضوي بين الفساد المالي الذي تمارسه القيادات المسلحة وبين استهداف القضاة الذين يتولون ملفات الفساد، إذ إن إرهاب رجال العدالة هو الوسيلة الوحيدة لحماية ثرواتهم غير المشروعة المنهوبة من قوت المواطن اليمني.
أمام هذا الوضع الخطير، تتعالى الأصوات الحقوقية مطالبة المجتمع الدولي بالتدخل لفرض عقوبات على المسؤولين عن ترهيب القضاة، وضرورة تفعيل آليات حماية دولية لرموز العدالة في اليمن.
كما دعت نقابة المحامين ونادي القضاة في بيان مشترك صدر في يوليو 2026 إلى ضرورة عقد لقاء وطني عاجل لاتخاذ موقف صلب وتاريخي يرفض الخضوع لإملاءات السلاح، مؤكدين أن التهاون اليوم يعني ضياع آخر أمل في استعادة مؤسسات الدولة.
إن استعادة هيبة القضاء في تعز ليست مجرد مطلب حقوقي، بل هي استحقاق وطني لا بديل عنه؛ فبدون قضاء مستقل وقوي، ستتحول تعز من “عاصمة للثقافة” إلى “غابة للمليشيات”، وهو سيناريو لن يقبله الشعب اليمني الذي دفع أثمانًا باهظة في سبيل الحرية والكرامة، وستظل هذه الوقائع الموثقة وصمة عار في جبين كل من يحاول تحويل المؤسسات الوطنية إلى أدوات لخدمة أجندات تنظيمية ضيقة على حساب حقوق الملايين من المواطنين الذين ينتظرون تطبيق العدالة.

