ذات صلة

جمع

سماء الموت.. كيف يسهم تدمير أسواق المواشي والبنية التحتية في تفاقم خطر المجاعة بالسودان؟

تتفاقم الأزمة الإنسانية والأمنية في الولايات والأقاليم السودانية لتصل...

دوامة التضخم.. كيف تكشف أزمة الغذاء عن عمق الاختناق الاقتصادي في تونس؟

تعيش الأسر والعائلات التونسية تحت مظلة واحدة من أشد...

أسرار العصر الحديدي في بريطانيا.. ماذا نعرف عن درع باترسي البرونزي؟

لم يكن درع باترسي مجرد قطعة معدنية عثر عليها...

سقوط خلايا الموت.. كيف تفضح الشحنات البحرية وشبكات التهريب زيف أسطورة التصنيع الحوثي؟

تتوارى أوهام القوة والادعاءات المصطنعة التي تروج لها الميليشيات...

دوامة التضخم.. كيف تكشف أزمة الغذاء عن عمق الاختناق الاقتصادي في تونس؟

تعيش الأسر والعائلات التونسية تحت مظلة واحدة من أشد الأزمات المعيشية والاقتصادية ضغوطًا وتعقيدًا، حيث أدت القفزات المتلاحقة في أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية ومعدلات التضخم المتصاعدة إلى انكماش ملحوظ في القدرة الشرائية وتآكل الطبقة الوسطى.

وتؤكد المعطيات الرقمية والشهادات الاقتصادية الموثقة، أن الإجراءات والحلول الجزئية التي أعلنتها السلطات الحكومية لتخفيض أسعار بعض السلع، رغم أهميتها التسكينية، ما تزال تقف عاجزة عن مواجهة الاختلالات الهيكلية الصارخة في قطاعات الانتاج والتزويد، والتي فاقمتها التغيرات المناخية وتراجع المحاصيل ونقص المواد الأساسية الحيوية من الأسواق المحلية.

كواليس التخفيضات الحكومية وإجراءات وزارة التجارة.. تفاصيل تفكيك غلاء الدواجن والغلال والأسماك

وأوضح المدير العام للمنافسة والأبحاث الاقتصادية بالوزارة، حسام الدين التويتي، أن التخفيضات لن تقتصر على المساحات التجارية الكبرى بل ستشمل مختلف نقاط البيع والأسواق التنافسية.

وتضمنت القرارات تراجع أسعار لحوم الدواجن بمقدار يتراوح بين نصف دينار ودينار واحد للكيلوغرام، ليصل في بعض الأصناف إلى 6.5 دينار، مع خفض أسعار التفاح والكمثرى بقيمة دينار واحد (0.3 دولار)، وإقرار تخفيضات في أسعار أسماك الأحواض المائية تتراوح بين 2.5 و5 دنانير

بالتوازي مع ذلك، أكد رئيس الغرفة الوطنية للمساحات التجارية الكبرى، الهادي بكور، عقد جلسات عمل مكثفة تحت إشراف وزارة التجارة والتنسيق مع الصناعيين لحسم القائمة النهائية للمنتجات المشمولة بالتخفيضات وتوفير تشكيلة عادلة من المواد الغذائية ومواد التنظيف والتجميل.

قراءة الخبراء والأرقام القياسية للتضخم.. رابح بوراوي يحلل أسباب غلاء اللحوم ونقص السكر والأرز

وعلى الصعيد الاقتصادي والتحليلي، تؤكد بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن معدل التضخم واصل مساره التصاعدي ليسجل 5.6% خلال شهر سبتمبر، مقارنة بـ 5.4% في أغسطس/آب و5.1% في يوليو، فيما قفزت أسعار مجموعة الغذاء والمشروبات بنسبة 8.4% على أساس سنوي.

وسجلت أسعار الدواجن ارتفاعًا قياسيًا بنسبة 16.5%، والفواكه الطازجة بنسبة 16.3%، ولحوم الضأن بنسبة 14.6%، واللحوم البقرية بنسبة 13%، والخضراوات بنسبة 12.9%، والأسماك بنسبة 10.4%.

وفي هذا السياق، أكد الخبراء أن التخفيضات المعلنة لا تتعدى كونها حلاً مؤقتًا ومحدود الأثر، مشددًا على أن حماية القدرة الشرائية تقتضي سياسات هيكلية أعمق تحقق التوازن بين تكلفة الإنتاج والأسعار النهائية.

وأوضحوا، أن الصعوبات المناخية القاسية وموجات الجفاف التي شهدتها تونس خلال فصل الصيف، إلى جانب النقص الحاد في توفير المواد الأساسية كالأرز والسكر واضطراب انتظام عمليات التزويد بالبيض واللحوم، تشكل الجذور الحقيقية للضغوط التضخمية التراكمية.

تقارير الأمم المتحدة ومفوضية حقوق الإنسان.. توثيق بالأرقام لآثار الفقر وتدهور الحقوق الاقتصادية

على الصعيد الحقوقي والأممي، توثق التقارير الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وبرنامج الأغذية العالمي لعام 2026 التكلفة الاجتماعية والإنسانية الباهظة الناتجة عن تدهور المؤشرات الاقتصادية في تونس.

وتبيّن البيانات الرقمية أن ارتفاع أسعار السلع الأساسية بنسبة 2.1% خلال شهر سبتمبر وحده تسبب في زيادة وتيرة الفقر الغذائي بين الطبقات الهشة والفقيرة، حيث أصبحت نسبة كبيرة من الأسر غير قادرة على تأمين الحد الأدنى من البروتينات والوجبات المتوازنة.

وتؤكد المنظمات الدولية في تقاريرها الموثقة، أن ضمان الحق في الغذاء الكافي وحماية الفئات الضعيفة يتطلبان خططاً حكومية عاجلة لدعم الإنتاج الزراعي المحلي، وتأمين المخزون الاستراتيجي من المواد الحيوية، وإخضاع أسواق الجملة والتجزئة لرقابة صارمة تمنع المضاربة والاحتكار وتضمن توزيعاً عادلاً للموارد.

وتتويجًا للقراءات الاقتصادية والاجتماعية للمشهد التونسي الراهن، يجمع المحللون الاستراتيجيون على أن مكتسبات الاستقرار الاجتماعي لا يمكن حمايتها عبر الاتفاقيات الصورية أو الوعود المقطوعة دون إصلاح جذر المنظومة الإنتاجية.

وتقتضي خارطة طريق الإنقاذ التنموي ضخ استثمارات طارئة لتحديث شبكات الري والزراعة، وتوفير الدعم المباشر لصغار الفلاحين والمربين لخفض تكاليف الانتاج، بالتوازي مع إعادة هيكلة مسالك التوزيع وتفكيك حلقات الوساطة والمضاربة التي تلتهم هامش الربح وتضاعف الأسعار على المستهلك، وإن بناء اقتصاد متماسك قادر على الصمود بوجه التضخم والتغيرات المناخية يمثل الشرط الأساسي والأول لتحقيق التنمية المستدامة، وصون الكرامة الإنسانية، وتأمين الحياة الكريمة لكافة أبناء الشعب التونسي.