تتسع دائرة الغضب والتصعيد النقابي والمهني داخل الأوساط الليبية لتسلط الضوء على تدهور الخدمات الأساسية والمرفقية، في ظل سياسات إدارية تعتمد على الحلول الشكليّة والترقيعية دون ملامسة الاحتياجات الميدانية الفعلية للمواطنين والكوادر العاملة.
وفي تقرير تحليلي موسع يستند إلى البيانات الرسمية الصادرة عن حراك القطاع الصحي والنقابات المهنية، وما وثقته تقارير الأمم المتحدة، ومفوضية حقوق الإنسان، والتقارير الاستراتيجية والدولية الصادرة لعام 2026، تتكشف الأبعاد المأساوية للغضب العارم الذي أثارته المذكرة الحكومية الأخيرة لتنظيم الاختصاصات الإدارية للخدمات الصحية.
وتؤكد المعطيات الرسمية والحقوقية الموثقة، أن لجوء السلطات التنفيذية إلى إبرام وثائق ومذكرات تفاهم إدارية لم يفلح في امتصاص الاحتقان الممتد لقرابة شهرين، بل دفع العاملين في القطاع الصحي بطرابلس وضواحيها والمنطقة الشرقية والجنوبية والجبل الغربي للدعوة إلى وقفات احتجاجية حاشدة أمام مقر رئاسة الوزراء بالعاصمة، للمطالبة بوقف الإهمال المباشر، وتوفير الأدوية الأساسية، وتصحيح الأوضاع المعيشية المتردية للأطباء والمساعدين.
كواليس المذكرة الإدارية وتصعيد الحراك الصحي.. تفاصيل اتفاق الغوج وبن غلبون وانتقادات النقابات المهنية
تُظهر المستجدات والبيانات الصادرة عن وزارة الصحة ووزارة الحكم المحلي بحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة في أكتوبر/تشرين الأول 2026، أن توقيع وزير الصحة محمد الغوج ووزير الحكم المحلي المكلف محمد بن غلبون لمذكرة تفاهم ووثيقة مرجعية لتنظيم مستويات الخدمات الصحية محلياً، قوبل بموجة رفَض وانتقادات حادة من النقابات المهنية والحراكات الشعبية.
وأكد “اتحاد حراك القطاع الصحي بليبيا” في بيان رسمي أن الاكتفاء بالإجراءات والترتيبات الإدارية والورقية لا يغني بأي حال عن توفير الأدوية والمستلزمات الطبية العاجلة، وصيانة الأجهزة المعطلة داخل المراكز والمستشفيات العامة.
ومن جانبها، طالبت “النقابة العامة لأطباء الأسنان” المسؤولين بالنزول الميداني والوقوف على طبيعة العجز الصارخ في أدوات الوقاية والمعدات التشغيلية داخل الأقسام والعيادات، بدلاً من الاكتفاء بعقد الاجتماعات البروتوكولية والاتفاقيات الصورية التي لا ينعكس أثرها على جودة الخدمة الطبية المقدمة للمواطن.
تدني الأجور وضغوط المعيشة القاسية.. رواتب الأطباء دون 200 دولار وتأخر مستمر في التسويات المالية
وعلى الصعيد المعيشي والاقتصادي، تكشف أرقام الرواتب والمخصصات المالية للكوادر الطبية في ليبيا عن حجم المأساة والإجحاف الذي يتعرض له العاملون في الخطوط الأمامية للرعاية الصحية.
ورغم إقرار وزير الصحة بحكومة الوحدة الوطنية محمد الغوج في 28 سبتمبر الماضي بمشروعية مطالب العاملين، وصدور توجيهات من رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة لمعالجتها، إلا أن واقع الحال يشير إلى استمرار الأزمة دون حلول ملموسة.
وتتراوح تقديرات الرواتب الشهرية للأطباء والكوادر المساعدة بين 150 و200 دولار أمريكي فقط بحسب الدرجة الوظيفية، وهي أجور متدنية للغاية لا تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية للعملة الوطنية.
وتتضاعف هذه المعاناة مع تأخر صرف التأمين الصحي، وتجميد الترقيات والعلاوات الفنية، وتأخير تسوية الفروقات المالية المترتبة للعاملين منذ سنوات طويلة، مما يجعل بيئة العمل الطبية طاردة وغير قادرة على الاستمرار.
تقارير الأمم المتحدة ومفوضية حقوق الإنسان.. توثيق بالأرقام والوقائع لانتهاك الحق في الصحة وتردي المنظومة
على الصعيد الحقوقي والأممي، توثق التقارير الحديثة الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ومنظمة الصحة العالمية لعام 2026 التدهور الخطير في مؤشرات الرعاية الصحية والخدمات الأساسية في ليبيا.
وتشير البيانات الإحصائية والتقارير الميدانية، أن أكثر من 70% من مراكز الرعاية الصحية الأولية في المحافظات والمناطق النائية تعاني من نقص حاد في الأدوية المنقذة للحياة، والمطهرات، والأجهزة الطبية الأساسية، مما يحرم ملايين المواطنين من حقهم الإنساني والأصيل في العلاج والرعاية الصحية المناسبة.
وتؤكد الهيئات الدولية في تقاريرها الموثقة، أن سوء الإدارة، وغياب الشفافية في توزيع الميزانيات القطاعية، واستمرار الانقسام المؤسسي، تمثل الأسباب الرئيسية وراء تراجع الطاقة التشغيلية للمستشفيات العامة، واضطرار المواطنين إلى تحمل تكاليف باهظة للطبابة في القطاع الخاص أو السفر للخارج.
وتقتضي خارطة طريق الإنقاذ تخصيص ميزانيات طارئة ومباشرة لتأمين سلاسل الإمداد الدوائي، وتوفير المعدات وقطع الغيار للأجهزة الطبية المعطلة، بالتوازي مع مراجعة جدول مرتبات الكوادر الطبية والطبية المساعدة بما يضمن لهم عيشاً كريماً وحماية اجتماعية لائقة.
إن المراهنة على كسب الوقت وعقد المذكرات الإدارية دون معالجة جذور الأزمة لن يؤدي سوى إلى تفاقم الاحتجاجات وإرباك الخدمة الصحية، مما يفرض على السلطات المعنية تحمل مسؤولياتها كاملة لضمان استقرار المؤسسات الطبية وصون سلامة وحياة كافة أبناء الشعب الليبي.

