في خطوة تحمل أبعادًا استراتيجية تتجاوز حدود التدريبات العسكرية التقليدية، دخل التعاون النووي بين بريطانيا وفرنسا مرحلة جديدة، بعدما شاركت مقاتلات بريطانية للمرة الأولى في مناورة تحاكي تنفيذ مهمة نووية فرنسية، في تطور يعكس تصاعد الاهتمام الأوروبي بتعزيز القدرات الدفاعية وتقليص الاعتماد على الولايات المتحدة، دون التخلي عن المظلة الأمنية لحلف شمال الأطلسي.

وأعلنت وزارتا الدفاع البريطانية والفرنسية، الجمعة، أن مقاتلات «تايفون» التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني رافقت طائرات «رافال» الفرنسية خلال تدريب «رومي»، الذي نفذ يومي 20 و21 أكتوبر فوق البحر المتوسط.
وانطلقت الطائرات من قاعدة سان ديزييه الجوية شمال شرقي فرنسا، حيث تدربت المقاتلات الفرنسية على تنفيذ مهمة افتراضية ذات طابع نووي، فيما تولت الطائرات البريطانية مهام المرافقة والحماية الجوية. ولم يشهد التدريب استخدام أسلحة نووية حقيقية أو مشاركة بريطانية في إطلاقها.
ورغم محدودية المهمة من الناحية التنفيذية، فإن دلالتها السياسية والعسكرية تبدو أوسع؛ إذ انتقل التنسيق بين القوتين النوويتين الأوروبيتين من مستوى الحوار والاتفاقات السياسية إلى التعاون الميداني المباشر في أنشطة ترتبط بالردع الاستراتيجي.
من التنسيق السياسي إلى اختبار الجاهزية العسكرية
تأتي المناورة في إطار تنفيذ إعلان «نورثوود»، الذي وقعه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في يوليو 2025، بهدف تعزيز التنسيق النووي بين البلدين، مع الحفاظ على استقلالية القرار السيادي لكل منهما.
ونص الاتفاق على إنشاء مجموعة توجيه نووية مشتركة لتنسيق السياسات والقدرات والعمليات، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن التهديدات الكبرى التي تواجه أمن أوروبا قد تستدعي تحركًا متوافقًا بين باريس ولندن.
ويمثل التدريب الأخير تطورًا إضافيًا لمسار التعاون؛ فبعد حضور مسؤولين بريطانيين، في ديسمبر الماضي، تدريبات فرنسية تحاكي ضربة نووية بصفة مراقبين، أصبحت المشاركة البريطانية أكثر ارتباطًا بالجانب العملياتي، عبر توفير المرافقة الجوية للمقاتلات الفرنسية.
وتعزز هذه الخطوة فرص التكامل بين القدرات العسكرية للبلدين، رغم اختلاف طبيعة ترسانتيهما، فبريطانيا تعتمد بصورة أساسية على غواصات تحمل صواريخ باليستية نووية من طراز «ترايدنت»، بينما تجمع فرنسا بين قوة ردع بحرية وأخرى جوية تعتمد على مقاتلات «رافال» القادرة على حمل صواريخ نووية.
ويمنح هذا التباين البلدين فرصًا لتبادل الخبرات وتطوير التنسيق العسكري، خصوصًا في مجالات حماية الطائرات المشاركة في المهام الحساسة ورفع الجاهزية لمواجهة الأزمات.
المظلة الأميركية تحت الاختبار.. هل تستطيع أوروبا الاعتماد على نفسها؟
يتزامن التقارب النووي مع تنامي المخاوف الأوروبية من التهديدات الروسية، في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وتزايد القلق من احتمالات التصعيد، بالتوازي مع تساؤلات بشأن مدى استدامة الالتزامات الأمنية الأميركية تجاه القارة.
وتدفع هذه المعطيات عددًا من العواصم الأوروبية إلى التفكير في تعزيز قدراتها الدفاعية، بما يتيح لها التعامل مع التهديدات الاستراتيجية بدرجة أكبر من الاستقلالية.
وتكتسب فرنسا وبريطانيا أهمية استثنائية في هذا المسار، باعتبارهما الدولتين الأوروبيتين الوحيدتين اللتين تمتلكان ترسانتين نوويتين.
لكن الانتقال إلى ردع أوروبي أكثر استقلالًا لا يزال يصطدم بعقبات سياسية وعسكرية معقدة. فقرار استخدام السلاح النووي الفرنسي يظل بيد الرئيس الفرنسي، فيما تحتفظ بريطانيا بسلطتها الوطنية المستقلة على ترسانتها، ولا يتضمن التعاون الحالي إنشاء قيادة نووية موحدة أو نقل صلاحيات الإطلاق إلى جهة مشتركة.
كذلك، لا تقدم باريس ولندن تحركهما باعتباره بديلًا عن الردع الأميركي داخل حلف الناتو، بل بوصفه إضافة يمكن أن تعزز أمن الحلف وقدرته على مواجهة التهديدات.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع طرح تساؤلات بشأن إمكانية توفير ضمانات نووية لبقية الدول الأوروبية، وحدود هذه الضمانات، وآليات اتخاذ القرار في أوقات الأزمات، فضلًا عن استمرار اعتماد دول القارة على الولايات المتحدة في مجالات الاستخبارات والإنذار المبكر والدفاع الجوي.

