ذات صلة

جمع

كارثة تحت الحصار المطبق.. كيف تحول المليشيات الحوثية تعز إلى سجن لـ 4 ملايين مدني؟

في قلب اليمن المكلوم، تجسد مدينة تعز المأساة الإنسانية...

جنيف تحتضن مشاورات السلام.. كيف يُعطل تعنت الجيش السوداني آمال وقف الحرب؟

تتجه أنظار المجتمع الدولي والقوى الإقليمية نحو العاصمة السويسرية...

تجدد معارك تعز.. غارات جوية وتقدم للقوات الحكومية في باب المندب

تشهد محافظة تعز تصعيدًا عسكريًا متزامنًا على جبهاتها الجنوبية...

تعز تحت تهديد الأوبئة.. الحصار وتكدس النفايات يفاقمان الأزمة الصحية

تواجه مدينة تعز اليمنية مخاطر صحية وبيئية متصاعدة، مع...

جنيف تحتضن مشاورات السلام.. كيف يُعطل تعنت الجيش السوداني آمال وقف الحرب؟

تتجه أنظار المجتمع الدولي والقوى الإقليمية نحو العاصمة السويسرية جنيف، حيث تُستكمل الترتيبات الدولية والأممية لعقد الاجتماع التشاوري السادس لتنسيق جهود السلام في السودان، وسط تفاقم غير مسبوق للمأساة الإنسانية التي تكوي أجساد ملايين المدنيين.

وفي وقت تبحث فيه الأمم المتحدة والآلية الخماسية والرباعية الدولية عن نافذة أمل تنهي الصراع الدموي الممتد منذ منتصف أبريل 2023، يصطدم المسار الدبلوماسي بجدار صلب من الرفض والتصعيد الميداني المُعلن من قبل قيادة الجيش السوداني برئاسة عبد الفتاح البرهان.

إن تمسك القيادة العسكرية بالخيار العسكري وخطاب الحسم المسلح لا يشكل مجرد خطوة سياسية متعنتة، بل يمثل المحرك الأساسي لاستمرار استنزاف مقدرات الدولة وتغذية الكارثة الإنسانية التي صنفها المجتمع الدولي بأقسى العبارات والمؤشرات الحقوقية.

تأتي هذه التحركات الدبلوماسية الحاسمة في ظل تحذيرات متزايدة من أن الإصرار على مواصلة القتال يتسبب في شلل كامل للعمليات الإغاثية، ويفتح الباب أمام انهيار شامل للبنى التحتية، مما يجعل الاجتماع المرتقب في جنيف محطة مفصلية لوضع قيادة الجيش أمام مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه حماية الأرواح وفتح المسارات أمام حكومة مدنية مستقلة تعبر عن تطلعات الشعب السوداني.

اجتياح جبهات القتال ورفض التفاوض: خطاب البرهان يكرس الخيار العسكري

وتتجلى حالة الإصرار على التصعيد الميداني في المواقف الرسمية المعلنة من قبل قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، والذي جدد في أحدث كلماته بمنطقة أمري بالولاية الشمالية رفضه القاطع لأي تفاهمات سياسية أو مفاوضات تهدف إلى وقف إطلاق النار.

وأكد البرهان، بحسب ما نقلته مصادر إعلامية وميدانية، استمرار العمليات العسكرية الشاملة في إقليم دارفور وولايات كردفان والنيل الأزرق، رافضًا الاستجابة للنداءات الأممية والإقليمية الداعية إلى إنهاء الحرب.

وتؤكد تحليلات خبراء ومراقبين للشأن السوداني، أن هذا الموقف المتصلب يعكس بوضوح تحالف القيادة العسكرية مع القوى الأيديولوجية وحلفائها من أركان النظام السابق، الذين يخشون أن تؤدي أي تسوية سياسية شاملة إلى تجريدهم من نفوذهم ومساءلتهم عن التجاوزات الجسيمة المرتكبة خلال الحرب.

ويرى المحللون، أن التمسك برهان الحسم العسكري الميداني، على الرغم من مضي أشهر طويلة من القتال العنيف دون تحقق نتائج استراتيجية تحمي المدنيين، أسهم في تعميق حالة الانقسام المجتمعي وتدمير الممتلكات العامة والخاصة.

إن ربط وقف الحرب بمسارات العدالة الانتقالية والمحاسبة يجعل القوى العسكرية المتورطة أكثر تمسكًا بالبقاء في السلطة وخوض الحرب حتى النهاية، بغض النظر عن الكلفة الباهظة التي يدفعها المواطنون يوميًا في مراكز النازحين والمدن المحاصرة.

استهداف الإغاثة وسلاح التجويع: غارة جوية على شاحنات برنامج الأغذية العالمي

ولم تقتصر تداعيات الخيار العسكري على الخطابات السياسية والاشتباكات الميدانية، بل امتدت لتسجل تجاوزات خطيرة طالت الشرايين الإغاثية الدولية التي يعتمد عليها الملايين للنجاة من المجاعة.

ففي حادثة ميدانية مروعة وثقتها مصادر حقوقية وإنسانية في الثالث من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، تعرضت شاحنتان متعاقدتان مع برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة لهجوم جوي مباشر ونيران مسيرة أثناء نقلهما مساعدات غذائية منقذة للحياة بين مدينتي الدلنج وكادوقلي في ولاية جنوب كردفان.

وأسفرت الضربة عن مقتل أحد السائقين وإصابة آخر بجروح قاسية؛ مما أحال المساعدات الإنسانية إلى هدف عسكري مباشر في خرق صريح لقواعد القانون الدولي الإنساني.

وعقب الهجوم، أصدر برنامج الأغذية العالمي بيانًا حازمًا دعا فيه إلى فتح تحقيق سريع ومحايد ومستقل لتحديد المتورطين ومحاسبة المسؤولين عن القصف، محذرًا من أن استهداف القوافل والموظفين الإنسانيين يهدد بتوقف شريانات الإمداد ويحرم مئات الآلاف من العائلات المحاصرة من المؤن الغذائية.

وتُظهر هذه الواقعة الميدانية استسهال القوات العسكرية لتطبيق سياسات حصار وقطع الإمدادات عن المناطق المأهولة، مما يعمق خطورة الأزمة ويضع المنظمات الإنسانية تحت تهديد مباشر ومخاطر متزايدة أثناء تأدية واجبها الإنساني.

تحركات جنيف والآلية الخماسية: مساعٍ أممية لحوار سياسي شامل

أمام هذا الانسداد الميداني، أعلن المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، خلال مؤتمر صحفي رسمي، عن ترتيبات عقد الاجتماع التشاوري السادس لتنسيق جهود السلام بالسودان في جنيف بتاريخ 21 من الشهر الجاري، بمشاركة واسعة تضم ممثلين عن الآلية الخماسية “الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، جامعة الدول العربية، إيغاد، والاتحاد الأوروبي”، إضافة إلى دول الرباعية والبلدان المجاورة للسودان والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن.

وأوضح دوجاريك، أن الاجتماع يهدف إلى توحيد المبادرات وتنسيق الرؤى لخلق مسار سياسي شامل يقوده السودانيون بأنفسهم.

وأشار دوجاريك إلى المشاورات الموسعة التي احتضنتها العاصمة الإثيوبية أديس أبابا والتي جمعت قوى مدنية وسياسية مناهضة للحرب، من بينها “التحالف المدني الديمقراطي للقوى الثورية” (صمود)، للتأسيس لمرحلة حوار مدني ينهي هيمنة السلاح ويحقق التحول الديمقراطي.

وتستهدف هذه الجهود البناء على نتائج الاجتماع التشاوري الخامس المنعقد في يناير/كانون الثاني الماضي، لفرض آليات رقابية صارمة لوقف إطلاق النار وتسهيل مرور القوافل الإغاثية دون عوائق إدارية أو عسكرية.

تقارير أممية وحقوقية موثقة: سجل الانتهاكات والأرقام الصادمة

وتستند المطالبات الدولية بضرورة وقف القتال ومحاسبة القيادات العسكرية إلى أرقام ووثائق رسمية صادرة عن المؤسسات الحقوقية والأممية بين عامي 2024 و2026.

ووفقًا لتقرير لجنة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان الصادر عن مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، فإن الغارات الجوية والقصف العشوائي الذي نفذته القوات المسلحة السودانية تسبب في سقوط آلاف الضحايا وتدمير أكثر من 75% من المنشآت الصحية في العاصمة الخرطوم ودارفور وجنوب كردفان.