تعيش العاصمة الإيرانية طهران على وقع خناق اقتصادي غير مسبوق وضغوط استراتيجية خانقة تتصاعد حدتها يومًا بعد يوم، مع دخول الحصار البحري والعقوبات الأمريكية المشددة مرحلة كسر العظم بعد تسعة أشهر متواصلة من المواجهات الميدانية والسياسية.
ولم تعد آثار هذا الخناق مقتصرة على تراجع القوة الشرائية للمواطنين في الداخل، بل ضربت العمق العسكري والمالي للنظام الإيراني، مخترقة النواة الصلبة المتمثلة في الحرس الثوري ومؤسساته المسلحة.
وفي تطور دراماتيكي يعكس حجم الإفلاس وشح السيولة الحاد، كشفت القيادة المركزية الأمريكية عن تحول تاريخي وسابقة غير مسبوقة في التوازنات المالية الإقليمية؛ حيث بات الحرس الثوري الإيراني، الذي أنفق لعقود طويلة مليارات الدولارات لتغذية وتسليح شبكات الميليشيات المسلحة في المنطقة، يطالب وكلاءه وحلفاءه بتحويل الأموال واقتطاع مخصصات عناصرهم لضخها في ميزانية الحرس المنهكة، بعد عجز الحكومة الإيرانية عن دفع رواتب ومستحقات جنودها وقوات أمنها الداخلي.
تأتي هذه التحركات وسط استمرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تشديد الخناق البحري وفرض عقوبات مالية ونفطية قصوى، مع بقاء الجيش الأمريكي في حالة تأهب واستعداد متكامل لاستئناف العمليات القتالية الكبرى ضد المنشآت الحيوية في إيران.
ويراهن البيت الأبيض على أن يؤدي هذا الاستنزاف الشامل إلى إرغام القيادة السياسية والعسكرية في طهران على التراجع وإبرام اتفاق شامل يتضمن تقديم تنازلات حاسمة وملموسة بشأن البرامج النووية والصاروخية وأنشطة الأذرع المسلحة، بالرغم من أن أروقة القرار في طهران ما زالت تخوض مداولات مغلقة وتماطل في تقديم رد رسمي ونهائي للوسطاء.
الحصار البحري يلتهم 25 مليار دولار وتجميد مشفر يضرب شريان طهران
وفي شهادة علنية ومباشرة تعكس حجم النتائج بالأرقام والدلائل، كشف قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر، يوم الجمعة، عن حجم الخسائر المالية الفادحة التي تكبدتها طهران جراء إجراءات الردع والتضييق البحري.
وأكد الأدميرال كوبر أن الحصار البحري المفروض بدقة على ممرات التصدير الإيرانية كبّد النظام الإيراني خسائر مباشرة بلغت أكثر من 25 مليار دولار من العائدات النفطية المفقودة التي كانت تشكل شريان الحياة الرئيسي للموازنة العامة.
ولم تتوقف الضربات الاقتصادية عند حدود الموانئ وشحنات النفط، بل امتدت لتطال الشبكات المالية الموازية والتقنيات الرقمية السرية التي تلجأ إليها طهران للتملص من الرقابة الدولية؛ إذ أعلن كوبر أن التعاون المستمر بين القيادة المركزية الأمريكية ووزارة الخزانة الأمريكية تمكّن خلال الأسابيع الأخيرة من تتبع وتجميد أصول مشفرة وحسابات رقمية بقيمة 350 مليون دولار كانت تمتلكها وتديرها جهات واجهة تابعة للنظام الإيراني.
هذا التجفيف المالي المباغت ألقى بظلاله المباشرة على الأوضاع المالية للحرس الثوري والقوات العسكرية النظامية؛ إذ أوضح كوبر، في رسالة مصورة نُشرت الجمعة، أن الميليشيات والجماعات المسلحة المدعومة من إيران، والتي تلقت لسنوات تمويلات وتسهيلات ضخمة، أصبحت اليوم مطالبة بإعادة تحويل الأموال إلى الحرس الثوري الإيراني الذي يواجه صعوبة بالغة في دفع رواتب منتسبيه.
وأشار قائد القيادة المركزية إلى أن التقارير الاستخباراتية تؤكد إقدام تنظيمات وكيلة، مثل حزب الله وحماس والميليشيات المسلحة في العراق، على حجب مستحقات وتأخير رواتب عناصرها بمرسوم أمني عاجل، بغرض تحويل المبالغ المالية إلى الحرس الثوري الإيراني.
ولفت كوبر إلى أن الحكومة الإيرانية أضحت عاجزة أيضًا عن سداد الرواتب والمعاشات التقاعدية والمزايا المالية المخصصة للعاملين في القطاع العام وأفراد قوات الأمن الداخلي، مما يعكس تحول الأزمة الاقتصادية إلى مأزق سياسي ومجتمعي ينذر بالانفجار.
تصعيد يائس في مضيق هرمز ومراهنة إيرانية على أسعار النفط
أمام هذا الحصار الشديد والتراجع المالي المخيف، عمد الحرس الثوري الإيراني إلى تحريك أدواته العسكرية في خطوة عزاها الأدميرال براد كوبر إلى حالة من «اليأس والشلل المالي» التي تعيشها القيادة العسكرية.
فقد شهدت المنطقة زيادة كبيرة ومطردة في الهجمات الإيرانية المستهدفة للسفن التجارية وناقلات النفط في مضيق هرمز، في محاولة لإحداث أزمة إمدادات عالمية والضغط على الأسواق الدولية.
ورغم هذه الاعتداءات البحرية المكثفة، شدد كوبر على أن مضيق هرمز لا يزال مفتوحًا أمام حركة الملاحة والتجارة العالمية، حيث عبرت الممر المائي الحساس أكثر من 400 سفينة تجارية ونحو 100 مليون برميل من النفط خلال الأسبوع الماضي فقط، تحت حراسة ومراقبة القوات البحرية الدولية.
أرقام أممية وتقارير حقوقية: التمويل العابر للحدود وقمع الداخل بالتواريخ
يستند رصد الانتهاكات الإيرانية وسلوكها العابر للحدود إلى وثائق متكاملة وتقارير موثقة بالأرقام، صادرة عن المنظمات الأممية والهيئات الحقوقية الدولية بين عامي 2024 و2026.
ووفقًا للتحديث الصادر عن لجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن الدولي المعنية بقرارات حظر السلاح وتتبع التمويل، فإن الحرس الثوري الإيراني أنفق ما يتجاوز 16 مليار دولار خلال الفترة الممتدة من عام 2021 إلى منتصف عام 2025 لتمويل وتسليح الميليشيات والواجهات المسلحة في العراق وسوريا واليمن ولبنان، وهي الأموال التي تشكل النسبة الكبرى من العوائد النفطية التي تُحرم منها قطاعات الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية داخل إيران.
وعلى المستوى الحقوقي والدولي، أشار التقرير المحدّث الصادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان والمقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في إيران في يناير 2026، إلى أن الضغوط الاقتصادية وحجز المعاشات التقاعدية أدت إلى اندلاع أكثر من 1400 احتجاج ووقفة عمالية في أكثر من 35 مدينة إيرانية خلال عام 2025 وحده.

