تخوض محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية في الجنوب السوري فصلًا جديدًا من التطورات الميدانية والسياسية المفصلية، حيث يتدفق مئات الحافلات والسيارات وشاحنات المحروقات والسلع الأساسية عبر أوتوستراد دمشق – السويداء لأول مرة منذ أسابيع طويلة من التوتر والحصار المشدد.
ولم تكن هذه الحركة المرورية النشطة مجرد انفراجة لوجستية عابرة أو ترتيبات خدمية روتينية، بل تمثل تحولًا محوريًا أثبت عمق الارتباط الوجودي والاقتصادي بين السويداء وعاصمتها دمشق، ووجهت ضربة قاسية لرهانات القوى الانفصالية التي حاولت اقتطاع المحافظة وفرض واقع مالي وسياسي موازٍ.
وتزامنت هذه التطورات الميدانية مع سريان حالة من الهدوء المباشر على خطوط التماس بين قوى الأمن الداخلي وما يعرف بتشكيل “الحرس الوطني” الموالي للشيخ حكمت الهجري، وسط صمت متزامن من قيادة هذا التشكيل المسلح بعد سلسلة من الممارسات الشمولية والتصريحات التي لاقت رفضًا واسعًا من مختلف الأطياف الوطنية والدينية في المنطقة.
وتكشف البيانات الميدانية الواردة من حاجز المتونة الحيوي ورؤساء المراكز الأمنية والخدمية عن عبور أكثر من 2000 سيارة مسافرين بشكل يومي في الاتجاهين، إلى جانب تدفق ما يزيد على 800 شاحنة محملة بالخضراوات والسلع الغذائية وصهاريج الغاز والمشتقات النفطية التابعة للمؤسسات الخدمية والمنظمات الإنسانية.
وجاء هذا التطور عقب جهود مكثفة قادها محافظ السويداء مصطفى البكور بالتعاون مع المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية والفعاليات التجارية المحلية لتأمين دخول شحنات الإغاثة والمواد الأساسية، وتخفيف وطأة الأزمة المعيشية الخانقة التي طالت كافة الأسر والقطاعات الإنتاجية.
ويعكس هذا التدفق السلس للبضائع والمسافرين استعادة الدولة لروافدها التنظيمية في تأمين الطرقات العامة وحماية المدنيين من الشلل المصرفي والتجاري الذي فرضته أطراف الأمر الواقع طوال الفترة الماضية.
جرائم ميليشيا “الحرس الوطني”: حظر إنساني واحتجاز للطلاب والسلع في السويداء
تختزن الذاكرة الميدانية لأبناء السويداء سجلاً حافلاً بالانتهاكات والتجاوزات التي ارتكبتها العناصر المسلحة التابعة لتشكيل “الحرس الوطني” وقيادته الميدانية، والتي وصلت إلى حد استخدام الورقة المعيشية والتطبيب والتعليم كأدوات ضغط سياسي قسري.
ولم تتوقف هذه الجرائم عند حدود التضييق التجاري، بل تجسدت في أبهى صورها القاسية بتاريخ 29 أغسطس الماضي عندما أقدم عناصر الميليشيا المسلحة على إقامة حواجز وقطع الدوارات الرئيسية، وفي مقدمتها “دوار العنقود” في مدينة السويداء، لمنع آلاف الطلاب والطالبات في شهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة من التوجه إلى مراكز الامتحانات في الريف الشمالي والمناطق المجاورة تقديم امتحانات الدورة الاستثنائية التي أعلنت عنها الدولة، مما حرم مئات الشباب من حقهم الأصيل في التعليم وجعل مستقبلهم الدراسي رهينة للابتزاز الميداني.
كما أدت الاشتباكات العنيفة التي افتعلتها عناصر “الحرس الوطني” في بداية شهر سبتمبر على محور تل حديد – المجدل ضد النقاط الأمنيّة الحكومية إلى سقوط إصابات متعددة بين المدنيين ورجال الأمن، وأسفرت عن قطع شريان التغذية التموينية والمحروقات عن المحافظة بالكامل.
وأسهم هذا الحصار المفتعل في القفز بأسعار المواد الغذائية والأسطوانات النفطية إلى مستويات خيالية غير مسبوقة، مما ألحق ضررًا فادحًا بالشرائح الاجتماعية الضعيفة وكبار السن والمرضى الذين عجزوا عن الوصول إلى المستشفيات والمراكز الطبية في دمشق.
وتتطابق هذه الواقعة الميدانية مع شهادات التجار المحليين الذين أكدوا تعرض شاحناتهم للاعتداء والاحتجاز القسري وفرض إتاوات مالية غير قانونية من قبل عناصر الميليشيا على المنافذ والخطوط الفرعية قبل الرضوخ الأخير للإرادة الشعبية.
تقارير حقوقية وأممية وثقت الكارثة: أرقام رسمية تكشف حجم المعاناة بالجنوب
تتفق شهادات السكان الميدانية بالكامل مع المعطيات والأرقام الموثقة الصادرة عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) خلال عامي 2024 و2025 والتقارير المحدثة لعام 2026.
وتؤكد البيانات الأممية، أن القيود التعسفية على الطرق الرئيسية في جنوب سوريا وإغلاق المنافذ الحيوية تسببا في تقليص وصول المساعدات الإنسانية والغذائية لأكثر من 350 ألف مواطن في السويداء، ورصدا ارتفاعًا حادًا في معدلات انعدام الأمن الغذائي بين الأسر المحلية بنسبة تجاوزت 60%.
وتُظهر التقارير الحقوقية الموثقة بالتواريخ، أن ممارسات التشكيلات المسلحة خارج إطار الدولة أدت إلى تعطل أكثر من 70% من المنشآت التجارية والصناعية الصغيرة بالمدينة نتيجة انقطاع المحروقات والسيولة المالية.
وأوضحت تقارير لجنة التقصي الدولية المستقلة المعنية بسوريا في مخرجاتها المحدثة، أن تعطيل المرفق التعليمي والخدمي ومنع قافلات الإغاثة يعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني وللعهود الدولية الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
ووثقت المنظمات الحقوقية سقوط عشرات الضحايا والجرحى جراء النزاعات المسلحة والاغتيالات التي شهدتها البيئة الداخلية للمحافظة منذ الأحداث الدامية في يوليو/تموز 2025، والتي استهدفت ترهيب الأصوات الوطنية المتمسكة بوحدة البلاد والحفاظ على مؤسسات الدولة الرسمية.
كما كشفت وثائق المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن إعاقة حركة القوافل الطبية تسببت في نقص حاد بالأدوية الاستراتيجية والمستلزمات الطبية لمرضى الفشل الكلوي والأورام في مستشفيات المحافظة خلال فترات القطع الميداني.
سقوط الخيار الانفصالي وتراجع مشروع “دولة باشان”: الضغط الشعبي يفرض معادلة الاندماج
يعزو الخبراء والمراقبون للشأن السوري تراجع ميليشيا “الحرس الوطني” عن خنق أوتوستراد دمشق – السويداء إلى عامل أساسي يتمثل في الضغط المجتمعي العارم وتنامي حالة الغضب بين أبناء طائفة المسلمين الموحدين الدروز.
إذ أدرك الأهالي والتجار والمجالس المحلية أنه لا توجد أي بدائل اقتصادية أو معيشية أو جغرافية يمكن أن تعوضهم عن الامتداد الوطني مع دمشق وبقية المحافظات السورية.
كما جاء هذا التراجع الميداني نتيجة انسداد الأفق السياسي أمام المشروع الانفصالي الذي حاول الشيخ حكمت الهجري الترويج له تحت مسمى “دولة باشان” والسعي للارتباط بالمخططات الإقليمية الخارجية، وهو المشهد الذي قوبل برفض قطعي حاسم من غالبية أبناء المحافظة ومرجعياتها الروحية والوطنية التي رفضت التفريط بالهوية العربية السورية.
وقد تجلى هذا التحول الميداني والسياسي عقب التصريحات المثيرة للجدل التي أطلقها الهجري في بداية شهر سبتمبر والتي ادعى فيها وجود “اشتراك عقائدي” وربط مصيري مع جهات إقليمية خاريجة؛ مما أثار موجة عارمة من الاستنكار والاستهجان المحلي والإقليمي داخل أبناء الطائفة في سوريا ولبنان والمنطقة.

